يتكرر الحديث كثيراً في المجال الصحي وعالم الطب والتقدّم التكنولوجي عن المسائل المتعلّقة بالصحة، واقعها الحاضر ومستقبلها والمدى الذي قد يصله علاج مختلف الأمراض والعاهات الجسدية. هكذا نقرأ ونسمع ونشاهد الكثير من النقاشات عن الدماغ وآليات عمله والجهاز العصبي وأمراض الأوعية الدموية والأمراض المستعصية حتى الآن والتي تشكل تهديداً لحياة البشر.

لكن بالمقابل قليلاً ما نسمع الحديث عن أعضاء وأجهزة في البدن الإنساني مثل »الأمعاء« على أساس أنها ليست ذات طبيعة حيوية حاسمة، أو ربما على أساس أنها »أقل نبلاً« من غيرها من أعضاء وأجهزة الجسد.

الأستاذة الجامعية في كلية الطب بجامعة باريس السابعة، والاختصاصية الشهيرة بأمراض الجهاز الهضمي وبالمسائل ذات العلاقة معه، لها رأي آخر تماماً. ذلك ما يدل عليه بوضوح عنوان كتابها الصادر حديثا تحت عنوان رئيسي هو »الأمعاء، دماغنا الثاني«، وعنوان فرعي تناقش فيه »الدور الأساسي الذي تلعبه الأمعاء في الصحّة الجسدية الإنسانية«.

فما هو الدور الحقيقي للأمعاء في منظومة الصحّة؟ وكيف يمكن للأمعاء أن تكون دماغنا الثاني؟ وهل هناك علاقة بين توازن عمل الأمعاء والتوازن على مستوى الجسد كلّه؟ وما هو دور الأمعاء في ظهور العديد من الأمراض؟.

وتبيّن المؤلفة من خلال استعراضها للعديد من الدراسات العلمية والطبية الحديثة جدا أن الامعاء هي ذات أهمية كبيرة من حيث الدور الأساسي الذي تلعبه في حياة البشر. وتشير أنه منذ عام 2010 تعددت الاكتشافات حول دور الأمعاء.

والقاعدة الأساسية التي تنطلق منها فرنسيسكا جولي غوميز في إجابتها على مثل هذه الأسئلة وغيرها تتمثّل في قولها إنه ينبغي الفهم أوّلا من أجل الشروع بالبحث والوقاية. وتقصد بضرورة الفهم في سياق بحثها التعرّف على كل ما يتعلّق بالآلام التي تشمل البطن وظواهر اضطرابات الهضم المتكررة التي لا يوليها البشر عامّة الكثير من الاهتمام.

وتركيز القول إنه رغم »الحضور الكبير« للامعاء في الحياة اليومية للبشر فإن الجهل بها وبدورها وأهميتها هو بنفس نسبة ذلك الحضور، بل وأكثر من ذلك.

ليس الجهل بها فحسب، لكن أيضا الجهل بآليات عملها وبالآفات التي تصيبها وبكيفية التعامل السليم معها. إن المؤلفة ـ الطبيبة تحدد هدفها من هذا الكتاب في جملة بمقدمته مفادها: »أردت بهذا العمل أن أشرح نشاط ودور الأمعاء. هذا العضو الذي يسمح يوما بعد يوم ووجبة بعد وجبة بتحويل الأغذية التي نتناولها من أجل تأمين عمل آليات الجسد«.

وتتعرّض بعض تلك الدراسات للحديث عن الأمراض التي كانت تبدو »مستقّلة« تماما عن كل ما يتعلّق بالامعاء مثل آلام المفاصل ـ الروماتزم ـ ومرض باركنسون والاضطرابات النفسية وأمراض أخرى قد يكون لـ »البطن« دور فيها، جزئيا على الأقل.

وتبقى »البدانة« ذات الأصل المرَضي هي المثال الأكثر بلاغة. ودلّت التجارب أن زرق مصل مأخوذ من فئران مصابة بالبدانة في فئران سليمة يجعلها مصابة أيضاً.

والنتيجة هي أن الزيادة المفرطة في الوزن ليست فقط بسبب السلوك الغذائي غير المتوازن، ولكن أيضا بسب »طبيعة البكتيريات« المتواجدة في الأمعاء، مع إشارة المؤلفة أنه كان يتم الاكتفاء حتى اليوم بالتفريق بين »البكتيريات« الجيدة والأخرى السيئة، ولكن ثبت أن الأمر أكثر تعقيدا وأنه يتعلّق خاصّة بدرجة »التنوّع البكتيري« في الجسد، حيث انه كلّما كان التنوّع أكبر كان الحالة الجسدية أفضل. وتحدد المؤلفة القول ان موضوع »التواصل« بين الامعاء والدماغ يكتسي أهمية استثنائية.

المؤلفة في سطور

 

فرنسيسكا جولي غوميز طبيبة فرنسية مختصّة بالجهاز الهضمي وبالمسائل المتعلّقة بالغذاء والتغذية. تعمل أيضاً في مجال التدريس الجامعي كأستاذة في كليّة الطب بجامعة باريس السابعة.