عرفت البشرية خلال فترات طويلة التداوي بالعقاقير ذات المنشأ النباتي أو غيره قبل ظهور الطب الحديث، الذي غدا كيميائياً بامتياز وحقق نجاحات كبيرة مع اختراع الأمصال والمضادات الحيوية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، مما كان وراء زيادة هامّة في متوسط عمر الإنسان.

لكن ذلك لم يمنع واقع أن اللجوء إلى الطب التقليدي أو ما يندرج تحت تسمية »الطب اللطيف أو الطب البديل أو الطب التكميلي« لا يزال من الممارسسات الشائعة، بل ودخل إلى المستشفيات وغدا أحد المشارب المعترف فيها في عالم الطب. وهو شائع في بلدان مثل الدنمارك والمانيا وسويسرا وبريطانيا وبدرجة أقل في فرنسا، مع الإشارة أن هناك بلدانا تمنعه بصورة كاملة.

ويتم تحديد القول إن تعبير »الطب التقليدي، بمعنى غير الخاضع للطريقة العلمية الحديثة« عنى في العالم الغربي عموماً طرقاً متنوعة ومختلفة من العلاج تعود غالبا إلى مجموعة من التقاليد التي ترجع إلى عدّة قرون أو إلى سلسلة من الممارسات التي برزت بشكل خاص في القرن التاسع عشر قبل وصول »الطريقة العلمية« في التداوي.

معلومات

في مثل هذا السياق خرج باحثان معروفان أحدهما ازدارد ارنست، الطبيب وأحد المرجعيات المعترف بها في مجال »الطب البديل«، حيث كان أوّل من شغل في العالم كرسي هذا الطب الذي أسسته جامعة »اكستير« البريطانية.

والثاني سسيمون سينغ، حائز على شهادة الدكتوراه في الفيزياء وتحوّل نحو دراسة تاريخ العلوم بكتابهما المشترك يحمل عنوان: »أنماط الطب اللطيف«، ويحاولان فيه الإجابة على سؤال اختاراه عنوانا فرعيا لعملهما مفاده: »معلومات أم تزييف؟«.

المثير للانتباه أن المؤلفين كانا قد قدّما مئات المقالات والدراسات في الدوريات العلمية والطبية المختصّة وكان أحدهما، ادزارد ارنست قد كان لفترة من الزمن شكل سلطة بجامعة اكستير في مجال الطب البديل بكل مسمياته، وهما يشرحان اليوم في هذا الكتاب أن جميع أنماط الطب اللطيف هي تقريباً غير مفيدة وعديمة الفعالية، مع بعض الاستثناءات البسيطة.

مستخلصات نباتية

ومن أجل تقديم صورة جامعة بأكبر قدر ممكن يتعرّض المؤلفان إلى تحليل مختلف الوجوه التي أبرزتها جميع الدراسات المنشورة في العالم أجمع تقريباً حول المشارب الأربعة الأساسية في مجال »الطب اللطيف«، وهي »العلاج بالإبر« على الطريقة الصينية و»التداوي بالنباتات« و»التداوي اعتمادا على العوامل النشطة في الطبيعة« و»مداواة الفقرات وآلام الظهر بواسطة بعض الحركات«.

المجال الوحيد الذي يعطيه المؤلفان بعض المصداقية هو »التداوي بالنباتات«، وذلك على أساس أن أكثر من نصف المستحضرات التي يتم استخدامها في مجالات الطب البديل المختلفة مصدرها نباتي. هذا مع التأكيد بنفس الوقت أن الطبيعة ليس من مهمتها »شفاء المرضى« ، والقول ان تصوّر عكس ذلك إنما هو »ضرب من التوهّم والتهويم«.

ويشير المؤلفان إلى تحليل أُجري في عام 1996 للنتائج التي تم التوصّل إليها في 23 تجربة ووصل في المحصّلة إلى القول إن »تلك الدراسة أثبتت أن المستحضرات المستخلصة من نبات ذي زهور صفراء »hypericum« هي ذات فعالية في معالجة حالات الاضطرابات النفسية الخفيفة إلى الشديدة باعتدال.

كما ينقلان عن دراسة أكثر حداثة تعود لعام 2005 أن »المستحضرات المستخلصة من هذا النبات والمسكنات الطبية المضادة للقلق وللاضطراب النفسي لها كلّها نتائج إيجابية متشابهة«. ويفتحان قوسين في هذا السياق للتأكيد أن المستحضرات المعنية ليس لها سوى آثار إيجابية محدودة جدا بالنسبة للاضطرابات النفسية الحادّة.

ممارسات طبية

»العلاج بالإبر« على الطريقة الصينية هو فرع هام من الطب التقليدي الصيني. وتتم الإشارة أنه لم يكن حتى بدايات القرن العشرين ممارسا في الغرب بصورة عامّة، وكان نائماً في الشرق، وما يؤكده المؤلفان هو أن ماوتسي تونغ هو الذي دفع نحو إحيائه إلى جانب فروع الطب والعلاج التقليدي الصيني بعد وصوله إلى السلطة عام 1949.

كان ماو مدفوعا بنوازع إيديولوجية يريد من خلالها إحياء مشاعر الاعتزاز الوطني، وبالوقت نفسه يؤمّن للصينيين علاجا طبيا بمتناول الجميع وقليل الكلفة. ثمّ انتشر »العلاج بالإبر« على الصعيد العالمي، حيث يحظى في بعض البلدان الأوروبية بمكانة قانونية باعتباره أحد فروع الطب.

هذا على الرغم من أن مبادئه لا تتماشى مع مبادئ العلم الصارمة ويتم توصيفه أنه من فئة الممارسات الطبية التي لم تثبت فعاليتها بطريقة حاسمة.وما يتم تأكيده في مقدمة هذا الكتاب أن الغاية منه ليست إصدار الأحكام مع أو ضد ولا تشجيع أو النصح بالتخلّي عن الطب اللطيف، ولكن بالأحرى محاولة التعريف بتلك العقاقير والأدوية التقليدية المتوارثة.

 

المؤلف في سطور

 

ادزارد ارنست، طبيب بريطاني من أصل ألماني نال الجنسية البريطانية عام 1999، وهو أستاذ »الطب البديل« في جامعة »اكستير« البريطانية. من الباحثين المعروفين عالميا في مجال التداوي بالطب التقليدي. وسيمون سينغ يحمل شهادة الدكتوراه في الفيزياء درس في عدّة جامعات قبل أن يتحوّل إلى الكتابة في مجال تاريخ العلوم.