كانت بريطانيا هي مهد كرة القدم في القرن التاسع عشر، ثم نقلها البحّارة الإنجليز والعاملون في الشركات البريطانية في العالم إلى مختلف أرجاء المعمورة، لتغدو اللعبة الشعبية الأولى بلا منازع لدى جميع أمم الأرض وشعوبها. وفي هذه الفترة التي تشهد مباريات البطولة العالمية لكرة القدم في البرازيل، تعرف رفوف المكتبات سلسلة طويلة من الكتب التي تهتم بكرة القدم من هذا الجانب أو ذاك.

ومن بين الكتب التي عرفتها رفوف المكتبات الفرنسية كتاب الأستاذ الجامعي في السوربون جان بيير نوغريت الذي يحمل عنوان «بيليه وكوبا وبانكس والآخرون». ويعود المؤلف فيه إلى سنوات طفولته التي كان هؤلاء اللاعبون فيها نوعاً من «الأساطير» في مجال كرة القدم.

أبطال حقيقيون

نقطة الانطلاق في مشروع هذا الكتاب كانت هديّة قدمتها ابنة المؤلف لوالدها، وكانت مجموعة من التسجيلات لأهم مباريات البطولات العالمية لكرة القدم. هكذا أعادت إلى ذاكرته تلك اللحظات الجميلة التي عاشها مع بيليه وكوبا وبانكس وغيرهم من نجوم كرة القدم.

كما أعادت إلى الذاكرة صورة أبيه، أستاذ الرياضة واللغة الإنجليزية، وجدّه الذي كان مولعاً بـ«كرة القدم»، إذ كان يلعبها معه «بين شجرة الأجاص ومرآب المنزل». هكذا برعمت في داخله رغبة مشاركة الآخرين كل ما عاشه من انفعالات ومن رعشات حمّى جماعية كانت كرة القدم هي باعثها الرئيس، فكان هذا الكتاب.

ويشرح المؤلف أن أولئك اللاعبين الكبار حققوا بما مارسوه من سحر وإبهار وإنجازات في الملاعب، ما يسمح لجمهور المعجبين أن يضعهم في مصاف الأبطال الحقيقيين. ذلك كما يتم بالنسبة إلى الأبطال في جميع ميادين الحياة ومشاربها.

كما يؤكّد المؤلف الدروس التي يمكن استخلاصها من مباريات كرة القدم الكبرى، ومن سلوك الفرق الرياضية الكبرى. الدرس الأهم هو أنه يمكن للجميع، وعلى جميع المستويات، أن يحلموا بإمكانية تغيير ما يبدو فشلاً محتوماً لا فرار منه.

هذا بالتحديد ما يمكن أن تشهد عليه ملاعب كرة القدم. ذلك مثلاً، «قبل نهاية مباراة بعدّة دقائق، يبدو أن فريقاً مصيره هو الهزيمة المؤكّدة أمام الخصوم، مع ذلك يحقق التعادل في الدقائق القليلة المتبقية، ويحصل على التمديد ثم ينتصر في النهاية»، وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول إنه في مجال كرة القدم «يمكن العودة من أي موقف متراجع ومتقهقر نحو الانتصار».

ثم الإشارة إلى أن الأكثر قوّة والأكثر شهرة ليس هم الذين يفرضون انتصارهم في جميع المباريات. المثال البليغ هو أن نادي أتليتيكو مدريد «الذي تبلغ ديونه 500 مليون يورو، دحر ريال مدريد الشهير في المباراة النهائية للأندية الأوروبية البطلة هذا العام، بهذا المعنى تبدو كرة القدم بمنزلة درس ضد عقلية الهزائم».

تاريخ وحياة

هذا الكتاب ليس عن تاريخ كرة القدم بالمعنى التقليدي لكتابة التاريخ، وليس سيرة حياة للاعبين الكبار مثل بيليه وكوبا وبانكس والآخرين. لكنه قبل كل شيء استذكار تاريخي لبعض المباريات التي بقيت في الأذهان، وخاصة في ذهن المؤلف، منذ تلك المرحلة التي شهدتها بطولة العالم لكرة القدم في السويد عام 1958، حتى التحضيرات لمباريات كأس العالم في البرازيل هذا العام 2014، أي ما يتناظر مع حياة جان بيير نوغريت منذ طفولته حتى اليوم.

بهذا المعنى يبحث المؤلف عن استعادة لحظات الفرح والسعادة التي عاشها في فترات عديدة من حياته، وكانت كرة القدم هي الباعث لها. وكما يكتب ميشيل كريبو في مقدمته للكتاب؛ «ينبغي ألا ينخدع أحد في هذا الكتاب، ذلك أن موضوعه ليس كرة القدم، لكن بالأحرى هو السعادة، أو بتعبير أكثر دقّة هو كرة القدم باعتبارها تجربة في مقاربة السعادة».

والكتاب زاخر بتوصيف الانفعالات الكبرى التي عرفتها طفولته، بسبب ما عرفته ملاعب كرة القدم من بطولات بيليه وكوبا وغيرهما، وتوصيف أيضاً لـ«تلك الأهداف التي لا تنسى»، ودون نسيان تلك «اللقطات الرائعة» لحرّاس المرمى، و«المراوغات الخرافية» التي قام بها هذا اللاعب أو ذاك. وفي خضم مثل هذه التوصيفات، يحار المؤلف في تحديد: «ما المباراة الأجمل على صعيد العالم حتى اليوم؟». أمّا العصر الذهبي لكرة القدم، فيجده في سنوات الستينيات والسبعينيات المنصرمة، إذ كان اللعب مفتوحاً، مثلما كانت تلك المباراة، الماثلة دائماً في الأذهان بين إيطاليا وألمانيا في دوري نصف النهائي لبطولة العالم عام 1970.