مدينة مرسيليا الفرنسية الواقعة على الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط هي ثاني مدينة فرنسية من حيث عدد السكان وهي المدينة الأكثر قدماً بين المدن الفرنسية، حيث إن الوجه الذي تظهر فيه المدينة اليوم هو ثمرة 2600 سنة من التاريخ.
وقد عادت المدينة لواجهة الاهتمام من خلال سلسلة من الكتب، حيث تم اختيارها «عاصمة الثقافة الأوروبية» لعام 2013. ومن بين هذه الكتب عمل الأستاذ الجامعي ومؤلف أكثر من 60 كتاباً والحائز على عدة جوائز أدبية ميشيل فيرجي ـ فرانسيسكي، الذي يحمل عنوان «مرسيليا، تاريخ وقاموس».
ويعيد المؤلف أصول سكان مدينة مرسيليا إلى مجموعات من البحارة الذين قدموا من شواطئ بحر إيجة عندما كانت تابعة للسيطرة اليونانية. كان ذلك قبل خمسة قرون من الحقبة الميلادية. كما تتم إعادة الشروع ببناء مرفأ مرسيليا إلى القرن الأول قبل الميلاد.
وكان بناء ذلك المرفأ بمثابة بداية حقبة جديدة ازدهرت فيها التجارة. وامتلكت المدينة آنذاك أسطولاً بحرياً مهماً سمح لها بمد سيطرتها على مناطق شاطئية في الجوار وفي اسبانيا وعلى جزيرة كورسيكا. ويشير المؤلف أن مرسيليا عرفت مذ بداياتها حالة من الازدهار والقوة وكان من أهم مؤشرات ذلك أن سلطاتها «ضربت عملة» خاصة بها ودخلت في صراعات من أجل أن تكون «نقطة الثقل» في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وخاصة في مجال التجارة بين الغرب الأوروبي وبلدان المشرق.
ويتم التركيز في القسم التاريخي الخاص بالمدينة أنها عرفت فترة من الاضطرابات والأزمات الكبرى بل ومن الحروب الأهلية من القرن الخامس حتى القرن الثامن. كما اجتاح المدينة بالتزامن مع ذلك مرض الطاعون الذي أودى بحياة القسم الأكبر من سكانها.
لكن مرسيليا عادت لازدهارها مع بدايات عصر النهضة في القرن السادس عشر. وأصبحت مرفأ عالمياً شهيراً منذ القرن الثامن عشر كي تدخلها الثورة الصناعية الكبرى منذ بدايات القرن التاسع عشر في عصر الحداثة لتصل إلى وجهها الجاري.
تقع مرسيليا كما يقدمها المؤلف، بين البحر ومجموعة من الهضاب مما يجعل منها بالوقت نفسه مدينة وحوض يحيط بها. ومن أهم الصفات التي يؤكد عليها بالنسبة للمدينة هو أنها مدينة استقبال المهاجرين بامتياز منذ الحضارات الأولى التي شهدها حوض البحر الأبيض المتوسط. الأمر الذي أكسبها تنوعاً ثقافياً استثنائياً، ويزداد ثراء باستمرار.
وتمثل مرسيليا بهذا المعنى بوتقة تمتزج فيها آثار متعددة إيطالية ومغاربية ومن مختلف أرجاء العالم. يشير المؤلف في هذا السياق إلى بروز ظاهرة المشاعر العدائية في بعض الأحياء التي يطلقون عليها توصيف «الصعبة»، والتي تسكنها أغلبية من المهاجرين الذين قدموا من بلدان شمال إفريقيا العربية بفعل التاريخ الاستعماري من جهة والقرب الجغرافي من جهة أخرى.
لكنه يشير إلى أن الكثير من المرسيليين يتذكرون جيداً أنه في نهاية شهر أغسطس من عام 1944، أي في نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الرماة الجزائريون خاصة هم الذين حرروا العديد من مواقع المدينة. ويشرح المؤلف في مقدمة هذا الكتاب، القاموس أن عمله ليس مجرد أول كتاب يتم فيه التأريخ لمدينة مرسيليا في مختلف الميادين.
ولكنه أيضا، وأساسا، نوع من التصريح بـ«قصة حب وبتاريخ عائلة». حيث يؤكد تعلقه الشخصي بالمدينة وبمساهمة العديد من أفراد عائلته منذ الجدود القدامي حتى جيل الآباء والجيل الجاري بكتاباتهم عن المدينة. بهذا المعني يكتسي هذا العمل صفة شخصية وإلى حد ما «عاطفية».
