«لقد حان الوقت كي نكوّن فكرة واضحة، فهمها جوزيف شومبيتر، أحد أكبر الاقتصاديين في القرن العشرين، تخص الأسباب التي جعلتنا فيها الرأسمالية مدفوعين، وكأن الأمر قدر محتوم، نحو تبني منطق مستدام لا فكاك منه يقول بالتجديد من أجل التجديد، وعبر نفس المنطق التوجه نحو قطيعة لا تتوقف مع كل أشكال الإرث والتراث والتقاليد، فليحاول القارئ أن يتبعني قليلاً في هذا التحليل وسوف يفهم سريعاً أنه تحليل لا بد منه من أجل فهم الزمن الحاضر».
بهذه الجملة يقدم الفيلسوف والكاتب ووزير التربية الفرنسي الأسبق لوك فيري، لكتابه الجديد الذي يحمل عنوان «التجديد المدمر» كمقابل للمفهوم الذي استخدمه جوزيف شومبيتر عن «التدمير الخلاق». وتتضمن الجملة أيضاً الفكرة الرئيسية التي يشرحها على مدى صفحات الكتاب، ومفادها أن مسيرة التقدم التكنولوجي المستمرة باسم «التجديد ثم التجديد»، إنما تحمل في عمقها قدرة تدمير هائلة للمجتمعات الرأسمالية الغربية، ولكن بالوقت نفسه لبقائها.
ويرى المؤلف أن مسيرة التجديد المستمر تقطع المجتمعات الغربية الرأسمالية عن تاريخها وعن تراثها، وبالمحصلة عن بعض مكونات هويتها الأساسية. بهذا المعنى يبدو التجديد بمثابة «شر لا بد منه». ويكتب لوك فيري ما مفاده: «ما سينقذنا ليس تبني تباطؤ النمو الاقتصادي ،ولكن التجديد. ذلك حتى إذا كان سيؤدي إلى هز استقرار العالم وحتى لو كان رائعاً ومدمراً بالوقت نفسه. إن غوتنبرغ ـ مخترع المطبعة ـ هدم نشاطات الكتبة باليد.. قبل أن يغدو عمله مصدر خلق ملايين فرص العمل في المهن ذات العلاقة بالمطبعة».
ويشرح لوك فيري أن القرن العشرين عرف موجة عارمة من التشكيك بالقيم التقليدية في الغرب على جميع المستويات الفنية والأدبية والموسيقية . وأن ذلك ترتب عليه أشكال من «التدمير» الذي نجم عنه تشوش كبير في الحياة اليومية وتبدل في المنظومة الاجتماعية.
ويقدم المؤلف عدة أمثلة على ذلك التشوش لعل من أهمها أنه كان في فرنسا عام 1950 ستة ملايين مزارع والعدد اليوم لا يتجاوز عشر ذلك، وحيث لم يعد لتلك الشريحة أي تأثير فعلي في الحياة السياسية للبلاد. ومثال آخر هو أن مكانة المرأة ودورها العام تطورا في الخمسين سنة الأخيرة أكثر مما جرى خلال 500 سنة سابقة. ومثال ثالث أنه خلال 80 سنة عرف سلوك الأطفال تبدلاً جوهرياً في اتجاه فقدان احترام السن والتجربة.
كما يكتفي المؤلف عمليا بإثارة بعض الأسئلة الجوهرية مثل: هل هذا هروب إلى الأمام؟ أم هل هو تقدم حقيقي؟ بكل الحالات من الواضح أن المؤلف لا يقدم إجابات قاطعة وإنما يكتفي بطرح الأسئلة. لكن ما يذهب فيه أبعد من الأسئلة هو شرحه لمفهوم التجديد ومكامن تأثيره التي تتجاوز كثيراً الاقتصاد، حيث يقدم الحجج والبراهين أن مجاله أوسع وأشمل. ويعتبر أن البحث عن التجديد يطال جميع مجالات النشاط الإنساني في المجتمعات الغربية الرأسمالية الراهنة.
ومن الواضح أن لوك فيري يستلهم الكثير من تحليلاته حول مفهوم «التجديد» من الأطروحات التي قدمها جوزيف شومبيتر، الاقتصادي والمفكر الرأسمالي المتوفي عام 1950، حول «التدمير الخلاق». ولا يتردد فيري بالتأكيد أن «التجديد يشكل أحد الأعمدة الرئيسية في بناء المجتمعات الغربية. لكنه لا يتردد بنقده في نفس الوقت دون الوصول إلى رفضه على اعتبار أنه أحد المحركات الأساسية لـ«بقاء» المجتمعات الرأسمالية الغربية».
