اشتهر أكسيل كان بأنه طبيب وعالم مورّثات وكاتب وصاحب مواقف إنسانية، وهو يضيف إلى جميع هذه الصفات صفة جديدة لم تكن معروفة عنه سابقاً، وهو أنه ماهر في السير على الأقدام مسافات طويلة، هذا ما يدل عليه واقع أنه قطع أكثر من 2000 كيلومتر، مجتازاً فرنسا من حدودها مع بلجيكا شمالاً حتى حدودها مع إسبانيا جنوباً.
خلال تلك الرحلة قابل أكسيل كان العديد من الناس، وتحدّث معهم، وحكى كل منهم له شيئاً يدلّ على فرنسا المعاصرة، فرنسا اليوم التي قدّمها كل منهم على حقيقتها من الزاوية التي يراها بها. تلك الرحلة و«أفكار الطريق» التي ترددت في عقل المؤلف وتلك التي رواها له أولئك الذين وضعتهم المصادفة في طريقه، هي موضوع كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «أفكار على الدرب».
حلم القيام بتلك الرحلة لم يكن جديداً في ذهن المؤلف ـ الطبيب، لكن مسألة تحقيقه كانت مرهونة بتوافر الوقت المطلوب لتنفيذ ذلك. من هنا كان الانتقال إلى حياة التقاعد وهو يقترب من سن السبعين، قد وفّر ذلك الوقت، ولم يتردد صاحب الحلم، كما يشير، بالشروع في تنفيذه، وجعله واقعاً.
هكذا قرر أن يفتح «فصلاً جديداً من حياته كمشّاء مسافات بعيدة سيراً على الأقدام»، بحثاً عن الجمال وعن الآخرين، وفي محاولة لتفسير الدوافع وراء ميله نحو السير وحيداً في الطرق، يشير المؤلف إلى أنه أحسّ دائماً بنوع من الحاجة إلى أن يجد نفسه في أماكن قليلة العمران، ويعتقد أن مثل الميل ربما يعود إلى سنوات طفولته، إذ إن ولادته كانت في نهاية الحرب العالمية الثانية. وبعد ولادته مباشرة تقريباً، قررت الأم المريضة العودة إلى باريس بصحبة أخويه، وتركته في عهدة مربية ريفية فلاّحة فقيرة، مدّة خمس سنوات، وهكذا كبر محاطاً بطيور البط والدجاج والحمير، كما يكتب.
ويشرح أكسيل كان أن زياراته خلال تلك الفترة بصحبة مربيته كانت تتم سيراً على الأقدام، ثم مارس بعد ذلك الانتقال من «نزل للشباب» إلى آخر في مجمل التراب الفرنسي، كما على صعيد القارّة الأوروبية.
لقد شاهد الكاتب بتمعّن كل ما وقع تحت نظره، ويعود الكتاب باستمرار إلى التذكير بالماضي، ويربط ذلك بما يشاهده من مناظر خلاّبة. وتلك العودة ليست حنيناً إلى حقب سابقة، كما يشير، ولكن بالأحرى من أجل الإيحاء من بعيد بأن الدينامية الاقتصادية والنهوض العام ممكنان دائماً.
