الألم الذي سببته سنوات الحرب لا يمكن أن يختفي من ذاكرة الناس، إنه حدث مثل خميرة أسست للهوية الوطنية وكرست حالة من رفض الآخر وعدم التسامح، ما تحاول المؤلفة تصويبه في الروايات الرسمية، هو تأكيدها أنه لم تجر، أبداً، استشارة السلطات الأسترالية حول المشاركة في الحرب، أو حول تحديد أهدافها أو في كل ما يتعلّق بالتغيير المطلوب في الإستراتيجية العسكرية. وبالتالي، ترى أنه كان هناك بعد استعماري لتلك المشاركة.
بعد أن ركّزت المؤرخة والأستاذة الجامعية الأسترالية، جوان بومون، عددا من كتاباتها السابقة للحديث عن التجربة الأسترالية في الحروب، وعن العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، تكرّس كتابها الأخير لدور «الأستراليين في الحرب الكبرى»، أي الحرب العالمية الأولى، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، وعنوان رئيسي مفاده «أمّة محطّمة».
مناسبة صدور هذا الكتاب، كما تشير مؤلفته، الذكرى المئوية الأولى لنشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 واستمرارها حتى عام 1918. وتناقش فيه، النتائج التي خلّفتها تلك الحرب على استراليا والأستراليين، على الصعد السياسية والاجتماعية والوطنية.
حالات حرب
تتوقف المؤلفة ـ المؤرّخة، طويلا، عند الحديث عن المرّة الأولى التي شاركت فيها القوة الإمبراطورية الأسترالية في العمليات الحربية، بعد نشوب الحرب العالمية الأولى. ذلك على أساس أن استراليا كانت أحد بلدان مجموعة «الكومنولث» الخاضعة لسلطة إمبراطورية التاج البريطاني..
وبالتالي كان مطلوبا منها أن تدافع عن بريطانيا التي أعلنت الحرب على ألمانيا بتاريخ 4 أغسطس من عام 1914 . وفي اليوم التالي، أعلن جوزيف كوك، رئيس الوزراء الاسترالي آنذاك، أنه «عندما تكون الإمبراطورية في حالة حرب، فأستراليا هي أيضا في حالة حرب».
وما تحاول المؤلفة تصويبه في الروايات الرسمية، هو تأكيدها أنه لم تجر، أبدا، استشارة السلطات الأسترالية حول المشاركة في الحرب، أو حول تحديد أهدافها أو في كل ما يتعلّق بالتغيير المطلوب في الإستراتيجية العسكرية. وبالتالي، ترى أنه كان هناك بعد استعماري لتلك المشاركة.
وتوضح المؤلفة أن المقاتلين الاستراليين وجدوا أنفسهم على خطوط الجبهة الأولى، في غينيا الجديدة التي كانت تحت الاحتلال الألماني، الأمر الذي كانت تعتبره بريطانيا تهديدا للملاحة البحرية في المنطقة. وذلك عام 1914 بعد عملية إنزال بحري في منطقة غاليبولي. ثم تتحدث المؤلفة عن العمليات التي تلت هذا بعدّة أشهر، في تركيا ضمن منطقة مضيق الدردنيل، وفي فلسطين، خاصّة في قطاع غزّة عام 1917، وفي مصر والجبهات الأوروبية والجبهات الأخرى.
مشاعر
وتبين مؤلفة الكتاب، في تحليلاتها، شجاعة الأستراليين الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى. وتُبدي بشكل إجمالي، تعاطفها معهم. لكنها مع ذلك، تشير إلى بعض السلوكيات الغريبة التي مارسوها. وتشير مثلا الى أنها لن تسامح أبدا، السلوك المشين الذي عكسه الأستراليون في القاهرة. ولا تتردد في توصيفه ببساطة، أنه كان سلوكا بشعاً.
وذلك إلى جانب تأكيدها أن الخلفية التي قام عليها هذا السلوك لم تكن من طبيعة عنصرية. وترسم المؤلفة مجموعة من الصور التي عاشها الجنود في ساحات القتال. وليس أقلها إثارة للمشاعر تلك التي يتوسل فيها أحد الجنود كي «يطلق عليه رفاقه رصاصة الرحمة».
وإذا كان هذا الكتاب عن الأستراليين في الحرب العالمية الأولى، فإنه بالوقت نفسه، وربما أساسا، عن الحرب في أي وقت وفي أي مكان. ذلك من حيث ما يشتمل عليه «عنف المعارك» وما يترتب عليها من آلام للذين يدخلون في أتونها.
هكذا تكرّس المؤلفة لكل سنة من سنوات الحرب فصلا في الكتاب، كما تشرح الأسباب التي جعلت مواطنيها يتذكرون معركة ما، وينسون أو يتناسون أخرى. وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب، تشرح المؤلفة أن من أهم نتائج الحرب العالمية الأولى على المجتمع الاسترالي، أن «الألم الذي سببته سنوات الحرب لا يمكن أن يختفي من ذاكرة الاستراليين». والتأكيد أن مشاركة الاستراليين في الحرب الكبرى، كان بمثابة الخميرة التي أسست للهوية الوطنية الاسترالية. لكنها غذّت بالوقت ذاته، حالة من رفض الآخر ومن عدم التسامح.

