الإدمان حالة مرضية يبدو فيها صاحبها فاقداً لإرادة أن يختار سلوكه، بل هو يتصرّف كآلة تابعة لمن يقوم بتشغيلها. والإدمان معروف حيال العديد من الممارسات التي ليس أقلّها خطورة التدخين، وتعاطي الكحول، وما هو أدهى من ذلك في بعض الأحيان.
وهناك أنواع من الإدمان والتبعية التي برزت في عصر الثورة الرقمية التي يعيشها العالم اليوم، وفي مقدمتها تلك التبعية التي يعانيها كثُر، المتمثّلة في البقاء ساعات طويلة كل يوم أمام شاشة التلفزيون أو الحاسوب، والانتقال دون كلل من محطة تلفزيونية إلى أخرى، أو من مسلسل إلى آخر.
الكاتب والباحث الأميركي الاختصاصي بالثورة الرقمية وتكنولوجياتها أليكس سوجونغ ـ كيم بانغ يكرّس كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «إدمان التسلية»، لمعالجة مسائل التبعية المتعاظمة لدى جيل الشباب المعاصر بشكل خاص لمختلف أشكال اللجوء إلى «التسلية» المرتبطة بتكنولوجيات الثورة الرقمية، وشرح السبل التي يمكن أن تؤدّي إلى تجنّب إضاعة الوقت، و«الحصول على المعلومات التي نحن بحاجة إليها»، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.
ومن الملاحظ أن المؤلف، الخبير بالتكنولوجيا وعالمها والعلاقة بينها وبين الذين يستخدمونها، يجمع بين المعالجة النظرية الخاصّة بـ«المفاهيم التكنولوجية»، و بين الجانب العملي الخاص بتقديم نوع من «النصائح» لأولئك الذين يمضون ساعات طويلة أمام شاشاتهم.
ولعل النصيحة الأكثر تردداً في تحليلات المؤلف، تأكيده بأشكال مختلفة أنه ينبغي ألا تجعلنا «التكنولوجيات الرائعة» التي فتحت آفاقاً واسعة نحو المعرّفة والتعرّف، ننسى ماذا يعني الكائن الإنساني، وأن كل فرد منّا هو «شخص حقيقي يتعامل مع أشخاص حقيقيين»، ومن ثم أننا لا نعيش كبشر من لحم ودم في عالم «افتراضي»، تمثّله بالدرجة الأولى شبكات الإنترنت.
التكنولوجيات الأساسية التي يقصدها المؤلف في تحليلاته هي تلك التي تندرج تحت عنوان «تكنولوجيات الاتصالات الحديثة»، وما يعني أساساً «الفيسبوك» و«تويتر»، وكل طرائق التواصل عبر الرسائل الإلكترونية. يرى المؤلف أن هذه الوسائل كلّها غدت ذات حضور كبير في حياتنا، ما جعل الكثير من البشر يعتبرون أنها تفرض عليهم مهمّات متعددة.
ويحدد العديد من السبل التي يمكنها أن تساعد على تحسين «عاداتنا»، واكتساب درجة أكبر من الانضباط في مجال «التسلية» عبر الشاشات.
ويتم، في هذا السياق، تأكيد أهمية «التأمّل» الذي يشكّل إحدى السمات الأساسية المميزة للكائن الإنساني. تجدر الإشارة إلى أنه يتم تكريس فصل كامل في هذا الكتاب لشرح أهمية التأمل في كل ما يفعله البشر، من أجل تعزيز القدرة الذهنية لمستخدمي الإنترنت وغيرهم. ويشرح المؤلف أن هناك سبلاً متنوّعة ومتعددة للحصول على أفضل أشكال استخدامات وتطبيقات ملكة التأمل.
