نحن في بدايات القرن الحادي والعشرين. لكن ذلك لم يمنع مجموعة من الكتّاب والباحثين الفرنسيين أن يقدّموا كتابا جماعيا، أشرف على إنجازه الروائي الفرنسي اليكسيس جيني، الحائز على جائزة «الغونكور» الأدبية الشهيرة عام 2011، تحدّثوا فيه، كل في مجال اهتمامه، عمّا يمكن أن تكون فيه حالة العالم في القرن القادم، الثاني والعشرين.
ويحمل الكتاب عنوان «العالم في القرن الثاني والعشرين» مع عنوان فرعي يقول «نظرات طوباوية من أجل ما بعد الغد». تجدر الإشارة أن هذا العمل تصدره دار نشر المطبوعات الجامعية الفرنسية ضمن إطار سلسلة تحمل عنوان «حياة الأفكار». وكان المشرفون على السلسلة قد طلبوا من الكتّاب والباحثين المساهمين أن يتصوّروا ما سيكون عليه عالم القرن الثاني العشرين وما سيحتوي عليه من مشاكل وآمال.
خيال علمي
في المساهمة الأولى من الكتاب التي تحمل عنوان «ماذا يعني تعبير بعيد؟»، يشرح اليكسيس جيني، أن الخيال العلمي وحده يستطيع أن يستشعر صورة العالم القادم. ويعيد للذاكرة ما كتبه جورج أورويل عام 1948 عن صورة العالم عام 1984، كما جاء في عنوان عمله الشهير؛ وكذلك ما كتبه جول فيرن في القرن التاسع عشر في وصفه لـ«باريس في القرن العشرين»، وغيرهما ممن وصفوا في أعمالهم المجتمعات اللاحقة لأعمالهم.
ومن موقع الخوض في غمار الخيال العلمي يتم طرح الكثير من التساؤلات أيضا عن مصير فرنسا وأوروبا ومستقبل الحروب الباردة والعملاق الصيني. وأسئلة مثل: هل سيكون عالمنا مقسّما إلى وحدات كبرى قليلة العدد أم «سيتفجّر» إلى وحدات صغيرة جدا مسيّرة ذاتيا؟
رؤية وتصور
اليكسيس جيني يتصوّر «اختراع» جهاز إلكتروني يمكن وصفه بـ«نسخة متطورة من جهاز آيفون الحالي»، بحيث يمكن للإنسان بواسطتها «تنظيم الصلات مع بقية العالم انطلاقا من حجرة معزولة». هذا التصوّر هو بالتحديد الإطار الذي يحدده المؤلف للشخصية الروائية التي يقدّمها في «أقصوصته»، التي يطرح فيها رؤيته لعالم القرن الثاني والعشرين. تلك الشخصية الرئيسية هي «امرأة تعيش وحدها في منزل معزول حيث تسوّي كل أمور حياتها بطريقة افتراضية عن طريق شبكات التواصل الإلكترونية».
والعالم الذي يرسمه اليكسيس جيني للقرن القادم يجد الجميع أنفسهم فيه «في حالة تواصل دائم عبر الشبكات الإلكترونية» بحيث يمكنهم تأمين جميع ما يحتاجون إليه «دون أن ينتقلوا من المكان الذي يعيشون فيه» . لكنه يؤكّد في الوقت نفسه أن الإنسان فينا سيقاوم كل محاولات إبعاده من ساحة الفعل، ويشير أن هذا هو جوهر ما يريد كتابته في ظل تضاؤل الحاجة للتواصل الإنساني طالما يمكن اللقاء عبر الانترنت.
ويشرح الكاتب أن تلك القدرة على «العيش الافتراضي» يترتب عليها تغيير مفهومنا للزمان والمكان. وعلى الصعيد الاجتماعي تتوقع الرؤية التي يقدمها الكاتب انقسام المجتمع إلى فئتين أساسيتين. فئة «المستفيدين من ثمرات تطوّر التكنولوجيات البيولوجية التي تقدّم لهم كل ما يشاؤون». وفئة «جموع المحرومين» من ثمرات تلك التكنولوجيات الذين يشكّل «المهاجرون لأسباب مناخية» السواد الأعظم منهم.
مساهمات
وفي مساهمة تحت عنوان «الهروب الكبير» يرى كاتبها جان بيرار، الذي عمل لسنوات مديرا لأحد السجون، أن عالم السجون سيزول من عالم القرن الثاني والعشرين. وهو يقدّم أفكاره عن تراجع عدد المساجين بصيغة ذكريات مدير سجن. ويحدد الكاتب القول إن عملية تراجع عدد المساجين، مقابل أعدادهم المتزايدة أكثر فأكثر اليوم ـ ستبدأ اعتبارا من أواسط القرن الحالي، الحادي والعشرين.
وفي مساهمة عن «باريس بلد السرعة» في القرن الثاني والعشرون يكتب الباحث الاجتماعي ميشيل باران أنه سيتم ربط باريس وضواحيها الكبرى بواسطة قطارات كبيرة السرعة، ذلك أن الاتساع الكبير الذي ستبلغه المدينة.
فكيف سيكون العالم في القرن الثاني والعشرين؟ المستقبل وحده سيحدد مدى التطابق أو التباعد بين ما نقرأه في مساهمات هذا الكتاب وما سيقوله الواقع. بكل الأحوال من إلهام التفكير بالمستقبل، وليس الاكتفاء بالتأمّل في فرص التاريخ الضائعة، يؤكّد اليكسيس جيني، المشرف على هذا العمل. وتلك هي الرسالة الأساسية لهذا العمل.
الكتاب: العالم في القرن الثاني والعشرين
تأليف:اليكسيس جيني وآخرون
الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية – باريس ـ 2014
الصفحات: 107 صفحات
القطع: المتوسط
Le monde au XXIe siècle
Alexis Jenni
P U F– Paris - 2014
107 pp.
المؤلف في سطور
اليكسيس جيني روائي فرنسي من مواليد مدينة ليون وحاز في عام 2011 على جائزة «غونكور» الأدبية الشهيرة على عمله الروائي الأوّل الذي حمل عنوان: «الفن الفرنسي للحرب»، الذي يعود فيه إلى الحملات العسكرية الفرنسية في القرن الماضي، وخاصّة إلى حرب الجزائر.

