بتاريخ 23 مايو من عام 2013 توفي بمدينة نيس الفرنسية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط المغني والمؤلف الموسيقي والشاعر جورج موستاكي وهو في التاسعة والسبعين من عمره. كان قد وصل إلى فرنسا عام 1951 قادماً من مدينة الإسكندرية المصرية التي شهدت مولده في الثالث من شهر مايو من عام 1934.
وهو من أصول يمتزج فيها الدم اليوناني والإيطالي. هكذا كان يحمل هوية متوسطية بالمعنى الجامع للكلمة. قبل عشرين عاماً التقى الفنان والمغني والمؤلف الموسيقي جورج موستاكي بالصحافية الفرنسية صوفي دولاسان. كان موستاكي يعيش آنذاك صديقاً للمغنية الفرنسية الشهيرة برباره. فقامت بينهما صداقة عميقة استمرّت طيلة عقدين تقريباً، حتى نهاية حياته. تلك الصداقة هي موضوع كتاب الصحافية الذي يحمل عنوان «الحياة مع موستاكي». حيث تصف مسار حياته وتقول إنه كان يستحق بجدارة لقب «سفير الأغنية الفرنسية إلى أصقاع الأرض».
وتفتش المؤلفة في جعبة ذكرياتها وفي الرسائل التي تبادلتها مع الفنان لتجعل من ذلك كله مادة لرسم المسار الذي سلكه منذ ولادته في الإسكندرية وحتى الساعات الأخيرة من حياته. لقد كان فناناً كاملاً، كما رأته، رغم أن الانطباع الأول الذي تركه عندها بـ«لحيته البيضاء»، هو أنه من صنف المفكرين الذين تعود أصولهم البعيدة إلى فلاسفة اليونان القدماء.
وتشير صوفي دولاسان أنها التقت مع موستاكي عندما كانت في العشرين من عمرها وكان يزيدها ثلاثة عقود كاملة. وتعترف أنها استغلّت في تلك المرّة بطاقتها المهنية، كصحافية، كي تتبادل الحديث معه. وتقول: «لقد اعتقدت أنني كنت صاحبة حظ بذلك. وما زلت اعتقد ذلك. وقد كنت فخورة، ولا أزال فخورة، بامتلاك رقم هاتفه الشخصي».
لقد أصبحا صديقين وأطلق عليها فيما بعد تسمية «ميني»، وهي التي ألهمته، كما تكشف اليوم، أغنيته الشهيرة «الأبد العابر». ولا تعود المؤلفة إلى ذكرياتها مع موستاكي فحسب، ولكن تتحدّث أيضاً عن كل ما عاشه وعرفه طيلة تلك السنوات من التأثير الذي مارسه عليه جورج براسانس حتى اللقاء الذي جمعه مع المغنية الشهيرة أديت بياف، لتجمع بينهما علاقة استمرت فترة من الزمن ومروراً بالحديث عن محطات عدة في تلك الفترة ليس أقلّها موت صديقته العزيزة برباره، والتعرّف على حبه الكبير لوالدته «سارا»، التي كان يصفها أنها «صافية مثل الماء الرقراق».
تشير المؤلفة أنها وجّهت العديد من الرسائل لتلك الأم التي لم تقابلها أبداً واستمرّت بالتوجه لها بعد رحيلها إلى العالم الآخر. وجاء في واحدة من تلك الرسائل ما مفاده: «لدي أيضاً أشياء كثيرة أخرى أتمنّى أن أبوح لك بها، وذكريات تستحق العودة لها ومشاعر لإحيائها وأسرار أريد أن أقولها لك وشوشة. لكن لم يبق لي سوى أن أتمنى لك الاستراحة بسلام».
ولا تتردد صاحبة هذا الكتاب في القول إن موستاكي «ترك بصماته على الحقبة التي عاش فيها». وأن «موسيقاه ستبقى علامة فارقة للتعبير عن جيله». ومما تؤكّد عليه هو أن عبقريته لم تكمن في الأغاني والموسيقى التي تركها فحسب، لكن أيضاً في الأغاني التي كتبها للآخرين الذين لم يكن أقلّهم شهرة إديت بياف وبرباره وسيرج راجياني وهنري سلفادور وغيرهم.
هؤلاء جميعهم كانوا من عمالقة الأغنية الفرنسية وسفرائها في العالم، حسب توصيفهم الشائع، بل وفاقت شهرتهم شهرة موستاكي نفسه الذي لم ينل، حسبما ترى صديقته، مؤلفة هذا الكتاب، المكانة التي يستحقها أثناء حياته. ومما ترويه المؤلفة هو أن موستاكي ربما ما كان له أن ينطلق هو نفسه في عالم الغناء لو لم ينل التشجيع من أحد عمالقة عصره في عالم الفن، وهو جورج براسانسن، والإشارة أن اختياره لاسم جورج لم يكن بعيداً عن تأثّره بـ«المعلّم».
الميزة الكبرى التي تجدها صوفي دولاسان في أداء موستاكي هو أنه كان يمتلك صوتاً خاصاً، دافئاً، يتميّز عن الأصوات السائدة في عصره. وميزة أخرى كبيرة، «استثنائية» حسب تعبير المؤلفة، يتم التأكيد عليها في شخصية موستاكي، الإنسان. تشرح المؤلفة أنها أدركت خلال الثمانية عشر عاماً التي عرفته عن قرب مدى «اهتمامه بالآخرين». وتشير أنه في المرّات الكثيرة التي حضرت فيها اللقاءات التي أجراها مع الصحافيين كان يحرص هو نفسه على أن يطرح الأسئلة عليهم ويسألهم عن حياتهم.

