تسود كثيراً في العالم اليوم فكرة مفادها أن التحديات الكبرى التي تواجهها الإنسانية اليوم في عصر التبدّل المناخي وتفشّي ظاهرة الإرهاب وحالة الحروب التي تنفجر في العديد من المناطق، وتعاظم تجارة الأسلحة والمخدرات، وغيرها بالتوازي مع تعاظم نشاطات الجريمة المنظّمة جعلت، أي التحديات الكبرى، هذا العالم الذي نعيش فيه وكأنه في حالة شلل.

فهل هذا يعني أن الدول والأمم الكبرى غدت، بما هي عليه اليوم، تعاني من خلل كبير في عملها وفي قدرتها على ضبط إيقاع مسيرة العالم؟.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميريلاند الأميركية بنجامان ر. باربير يجيب بأنها قد ترهّلت، ولا تملك فعلا القدرة المطلوبة لمواجهة المشاكل المفرطة في الضخامة وفي التداخل وفي التنوّع. ويرى أن المدن ورؤساء بلدياتها ـ حسب النموذج الأميركي والغربي عموما، الذين يديرون شؤونها يمكنهم أن يفعلوا، وهم يفعلون أفضل. وهذا بالتحديد ما يشرحه على مدى صفحات كتابه الأخير، المثير للجدل، الذي يحمل عنوان: »لو حكم رؤساء البلديات العالم«.

دور المدن

إن بنجامان باربير يركّز تحليلاته التي يحاول من خلالها تأكيد أهمية دور المدن في مواجهة مشاكل العالم حول مجموعة من »الأوراق الرابحة«، التي تمتلك عليها. وفي مقدّمة ذلك »الحسّ العملي« المطلوب للتصدي لواقع ملموس و»الثقة«، التي يوليها سكان المدن لأولئك الذين يختارونهم لرئاسة بلدياتها وعدم الاهتمام بالمسائل المتعلّقة بالحدود وبمفاهيم السيادة، مقابل التركيز على المجال الجغرافي والسكاني للمدن المعنية. ويضيف إلى ذلك الميل العام باسم مصلحة الجميع نحو الإبداع والتجديد والتعاون.

ومن الملاحظات التي تتكرر في هذا الكتاب هو أنه في البلدان التي في طور التطوّر والبلدان الصاعدة مثل الصين وبلدان غرب إفريقيا وجنوبها تتكاثر المدن وتشكّل أقطاباً كبيرة. ويرى أن ما يميّز هذه المدن الجديدة عن مدن قديمة، مثل لندن التي تأسست من تجمّع قرى متجاورة، ومثل نيويورك التي هي تجمّع أحياء، هو أنها، أي المدن الجديدة، تميل إلى أن تكون وحدات متجانسة لمكوّنات غير متجانسة على غرار الدول والأمم، مما يشكل خطرا على حياة المشاركة. ويستعمل المؤلف تعبيرا يعني »العولمة المحلية« للدلالة على الصيغة التي ينبغي أن »نحلم بها« من حيث أنها تضم طرفي العلاقة بين ما هو عالمي وما هو محلّي بالوقت نفسه.

إحدى الأفكار الأساسية التي يدافع عنها مؤلف هذا الكتاب تتمثل في القول إن المدن بعيدة عن الصراعات الداخلية والمنافسات الإيديولوجية التي تعرفها العلاقات بين الدول. الوجه الآخر هو تأكيده أن رؤساء البلديات يغدون أكثر قدرة على التصدي بفعالية أكبر للمشاكل ويقترح تعميم دورهم على نطاق أوسع وطني، بل ويتعدّى ذلك إلى الصعيد العالمي.