يبحث كتاب «تاريخ التصميم الغرافيكي»، لمؤلفه الدكتور أحمد يازجي، في كل ما يتعلق بفنون الغرافيك، منذ تعرف إنسان الكهوف على أولى إشاراته البدائيّة، قبل الميلاد بنحو 2700 سنة، وحتى مرحلة التصميم بوساطة الحاسوب، ووسائل الدعاية التفاعليّة والإنترنت والشبكة العالميّة في وقتنا الحالي.

ويؤكد يازجي أن الاتصال البصري، بمعناه الواسع، له تاريخ طويل يعود إلى يوم كان الإنسان يصطاد للحصول على الطعام، ولكي ينجح في الصيد، كان يقتفي أثر أقدام الحيوانات في الطين، وهو بذلك ينظر إلى علامة «غرافيكيّة»، الأمر الذي يجعلنا نجزم بأن ملامح التصميم الغرافيكي، بدأت من نظرة الإنسان هذه التي تعكس توقه إلى البحث والاكتشاف، مستخدماً كل حواسه، وخاصة البصريّة، لردود أفعاله تجاه الأحداث التي تواجهه، ومعبراً عن ما يشغل فكره بوسائله البسيطة، ومن بينها : التعبير بالرسم الذي ابتكره ليكون وسيطاً بينه وبين الطبيعة.

يشير الكتاب إلى أن إشارة الغرافيك موجهة إلى الرؤية أو البصر، وهي تخضع لقوانينه. فهي إشارة أحادية، وهي أبسط جزء من الصورة، فتتابعها وتكرارها يأخذانها إلى قيم ماديّة مباشرة للصور، وإلى معانٍ ضمنيّة وثقافيّة. والمعاني في الصور والرسوم الغرافيكيّة محددة ومتعارف عليها بشكل مسبق قبل الشروع في العمل والتنفيذ، لذلك يُعد الرسم الغرافيكي إحدى الوسائل البصريّة المهمة التي تركت أثراً هاماً في حياة الإنسان، وما حصل عليها من تطورات في مفاهيمها باستخدام نظريات ومبادئ وأسس وأحاسيس جماليّة، ساعد على تقديم الشكل والأداة المعبرة والجميلة للإنسان.

يتتبع يازجي في الكتاب، الملامح الغرافيكيّة عند الإنسان القديم، وفي الحضارات الكبرى، كالفرعونيّة والفينيقيّة والإسلاميّة وعند الميزوبوتامبا، ويقف عند نشوء الحرف اللاتيني بعد وصول الكتابة الفينيقيّة إلى أرض اليونان، الذين طوّروها وأعطوها أشكالاً جديدة عقب مرورها بعدة مراحل، وصولاً إلى فن الغرافيك في عصر النهضة واختراع الطباعة وظهور الصحف على يد هانز غونتبرغ منتصف القرن الخامس عشر، ومن ثم ظهور الإعلان والملصق والرسوم الإيضاحيّة في الكتب، وولادة فن الحفر والطباعة الذي هدف إلى تكرار العمل الفني الواحد بهدف النشر والاتصال والنقل. وانعكس ذلك على تطور فنون الإعلان.

يتحدث المؤلف عن علاقة الغرافيك بالمدارس الفنيّة كالمستقبليّة والدادائيّة.

كما يفرد فصلاً كاملاً لبحث نشأة الملصق والشعار أو الرمز «اللوغو» والتايبوغرافيا، مشيراً إلى أن الملصق يُعد من المطبوعات الأساسيّة في التصميم الغرافيكي، وله دور مهم في تطوير التصميم الإعلاني، إذ إنه بدأ مع كبار الفنانين التشكيليين، وعومل بوصفه لوحة فنيّة بالرغم من الجانب الوظيفي الذي يؤديه، ولذلك تأثر الملصق بمختلف المذاهب والتيارات الفنيّة التي سادت في أوروبا وأميركا، كما أثرت فيه التطورات المذهلة في ميادين التصوير الضوئي والطباعة والتيبوغرافيا.

ويتوقف يازجي في كتابه، مع الفصل الذي يخصصه لمناقشة التصميم الغرافيكي في النصف الثاني من القرن العشرين في عدة دول، عند الملصق البولوني المتميز، وملصقات الاحتجاج ضد الحرب الأميركيّة في فيتنام، وصولاً إلى التصميم في السبعينيات من القرن الماضي وما بعدها، وكذلك التأثيرات الدوليّة على فنون الغرافيك الوطنيّة، والتصميم الحديث في عدد من الدول الأوروبيّة.

ويتحول المؤلف إلى مجال أرحب، يتحدث فيه باستفاضة عن الشكل المفهومي. ومن بينها أيضاً: التصميم في مرحلة ما بعد الحداثة، الموجة الجديدة في التايبوغرافيا، التعابير الطباعيّة الحديثة، الملصق المفهومي الجديد، والمفيس، مدرسة الـ«باو هاوس» وسان فرنسيسكو، الثورة الرقميّة وما بعدها، التصميم بالحاسوب، أصل التصاميم الغرافيكيّة باستخدام الحاسوب ورواد هذا الفن المعاصر، عملية إحياء تصميم المجلات، ووسائل الدعاية التفاعليّة والإنترنت والشبكة العالميّة، ووسائل الدعاية التفاعليّة والاتصالات السمعيّة والبصريّة والسينمائيّة المتصلة ببعضها البعض لتشكل مجموعة متجانسة من المعلومات.