عادت إلى ساحة النقاش العام في فرنسا منذ سنوات مسألة «الهوية الوطنية». ذلك في أجواء من التساؤل حول موقع الهجرة والمهاجرين في النسيج الوطني للبلدان التي تستقبلهم. ذلك في إطار واقع تعرف فيه الدول الغنية في القارة الأوروبية العجوز موجات من الهجرة. إن الكتب التي كرّسها أصحابها لمسألة الهوية وما تطرحه من تساؤلات حول المستقبل والتحديات التي تواجهها البلدان الأوروبية بهذا الخصوص كثيرة . ومن بين هذه الكتب العمل الذي قدّمه أحد أبرز الوجوه الفكرية الفرنسية المعاصرة الان فينكلكروت تحت عنوان «الهوية البائسة».
ويكرّس فنكلكروت الصفحات الأولى من الكتاب للمقارنة بين ما كانت عليه فرنسا سياسيا واجتماعيا وثقافيا سابقا وما غدت عليه اليوم. وهو يقيم هذه المقارنة على قاعدة تجربة حياته الخاصّة ليقول إنه من مواليد عام 1949 أي «ما يعني أنني ترعرعت وأمضيت شطرا من حياتي كبالغ على المستوى الشخصي والمهني في فرنسا مختلفة عن فرنسا التي نعيش فيها اليوم»، كما يكتب.
ومن خلال مختلف مراحل حياته يؤرّخ الان فنكلكروت لفرنسا الثقافية والاجتماعية من فترة احترام الذات، وبساطة التوجّه للآخرين التي كانت توجّه وتؤسس لـ«العيش المشترك» إلى فترة بروز «النزعات القومية المتشددة» و«المشاعر العنصرية»، وإلى كل ما أسس لما يسمسه المؤلف «الهوية البائسة» حسب نسختها القائمة حاليا.
وهي هوية بائسة بالمقدار الذي تطرحه من تساؤلات مقلقة على المعنيين بها من الأوروبيين، كما يشير المؤلف، محددا القول إن تلك التساؤلات تبقى دون إجابات. وفي مقدمة تلك التساؤلات ذلك النابع من كون أن المهاجرين الذين تتزايد أعدادهم هم بصدد تغيير وجه فرنسا. والإشارة أن مثل هذه الحقيقة وما يترتب عليها من نتائج يتم إخفاؤها تحت مقولة «التنوّع» التي يؤكّد القائلون بها أنها مصدر ثراء للثروة الوطنية الفرنسية.
ومن الأفكارالتي تتردد في تحليلات الان فنكلكروت تركيزه على القول إن النخب الفرنسية تُبدي الكثير من المواقف التي تنمّ على أنها بعيدة عن هموم الفرنسيين وعن مصادر قلقهم. ولا تتردد النخب المعنية في مثل ذلك السياق عن إثارة مواضيع تؤدي إلى تشتت ما يدعم الوحدة الوطنية وما يصبّ، كما يرى المؤلف، في المحصّلة بمصلحة اليمين المتطرف الذي تعاظم حضوره في المشهد السياسي والاجتماعي في فرنسا.
ويرسم المؤلف على مدى الكثير من صفحات هذا الكتاب صورة «متشائمة» لفرنسا التي فقدت الكثير من مكانتها على المسرح العالمي، ليس في السياسة فحسب، لكن أيضا على المستوى الثقافي حيث أصبحت على الهامش بينما كانت في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى سنوات السبعينات من أكثر البلدان حضورا ومكانة.
ويشرح المؤلف كيف أن «الهوية البائسة» تركت آثارها على العديد من مشارب الحياة والمجالات التي تؤسس لما سيكون عليه المستقبل، وفي مقدمة تلك المجالات «التربية». ويرى أن المهاجرين، خاصّة القادمين من حضارات مختلفة، وبالأخص القادمين من المستعمرات الفرنسية السابقة في شمال إفريقيا العربية، قد يكون لهم دورهم في «خلخلة قيم وتقاليد عمرها قرون من الزمن». ويطالب المؤلف بصيانة «الهوية الوطنية» الفرنسية ونقل القيم الفرنسية العريقة للأجيال في إطار الدفاع عن الحس الواقعي في مواجهة دعاة خلق واقع جديد تحت عنوان «التنوّع».
الكتاب: الهويّة البائسة
تأليف: الان فنكلكروت
الناشر: ستوك- 2013
الصفحات:240 صفحة
القطع: الصغير
L’identité malheureuse
Alain Finkuelkraut
Stock- 2013
240 pp
المؤلف في سطور
الان فنكلكروت هو أحد ابرز الكتّاب والمفكرين والفلاسفة الفرنسيين المعاصرين. عضو الأكاديمية الفرنسية منذ أسابيع قليلة، كتب عن الأدب والحداثة والنزعات القومية والاستعمار. وهو من المدافعين عن المحافظة على الهوية. آراؤه السياسية مثيرة للجدل.
