«الخيانة الكبرى» هذا هو عنوان الكتاب الذي يقدمه الباحث والاقتصادي الفرنسي، بيير لاروتورو، صاحب العشرات من الكتب عن الوضع الفرنسي والأوروبي. والمقصود بهذه الخيانة فئة «النخب» في فرنسا. فهذه النخب «استقالت من تأدية مهمتها، وعلينا أن نتحمّل مسؤولياتنا»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

المسؤولية التي يؤكّد عليها في تحليلات هذا الكتاب، تخص فرنسا وفي ما هو أبعد منها أوروبا، حيث ان هذه وتلك، تعانيان من أوضاع صعبة. ومن الآراء التي يؤكّد عليها المؤلف، تشديده على إمكانية الإصلاح، بل وخلال سنوات قليلة. ذلك على غرار ما يعتبره «الثورة الليبرالية»، التي أحدثتها مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي.

ويناقش المؤلف، على مدى العديد من صفحات الكتاب، المقولة التي تتردد على لسان المسؤولين الفرنسيين الحاليين، وفي مقدمهم: الرئيس فرانسوا هولاند نفسه، ومفادها ان الانعطاف الاقتصادي باتجاه حالة من الازدهار وعودة النمو، هو بصدد التنفيذ. ولا يتردد بيير لاروتورو، في التوضيح أن هذا مجرّد وهم. بل ويعتبر أن القول به «غير مفهوم»، إذ تشير إحصاءات المراكز الرسمية الفرنسية المتخصصة إلى ما هو عكس ذلك.

المؤشرات التي يعتمدها المؤلف تتعلّق بما يدل في «القاموس الاقتصادي» على «الصحّة الاقتصادية» لبلد من البلدان. ذلك مثل مؤشر استهلاك السلع الغذائية ـ ما يأكله الناس. والإشارة الى أن الإحصاءات نفسها تدل على أن استهلاك الفرنسيين من النشويات، مثل الأرز والبطاطس، يزيد بعد منتصف كل شهر، الأمر الذي يجده المؤلف مثيراً للقلق، من حيث دلالاته الاقتصادية.

ويلفت المؤلف أيضاً، إلى أن تقليص النفقات العامّة، حسب ما يتردد في خطاب النخب صاحبة القرار، ربما يؤدي إلى كارثة حقيقية. ذلك خاصّة في وقت يشير فيه معدّل النمو الاقتصادي السنوي، في بلد مثل فرنسا، الى التراجع.

ومن علامات «الخيانة الكبرى» التي تمارسها النخب، يحدد المؤلف «افتقارها الكبير للشجاعة، أو على الأقل عدم امتلاك سوى القليل منها»، ونقص النقاش بينها ومعها وقول أشياء كثيرة مع متابعة النهج القديم عينه.

ويشير في هذا الصدد، إلى أن عالم الرياضيات الكبير انشتاين كان يقول إن «الجنون بعينه هو أن تفعل دائما الشيء نفسة وتأمل الوصول إلى نتائج مغايرة». كذلك يشير إلى «صواب» الرأي الذي أطلقه ذات يوم الاقتصادي الأميركي بول كيغان ندما تحدث عن الانهيار الفكري في أوروبا وأنه ينطبق جيدا على الحالة الفرنسية.

وما يدعو اليه بيير لاروتورو، للخروج بفرنسا من حالة الجمود الاقتصادي والغياب الكبير للنمو، يبتعد عن الحلول المطروحة التي تكرر نفسها، مثل الرضوخ لرغبات أرباب العمل وزيادة الإعفاء من الضرائب من 20 مليار يورو إلى 30 مليار يورو، كما قررت الحكومة الاشتراكية الحالية. ويطالب لاروتورو بما كان قد ردده صديقه، المفكر ستيفان هيسل باستمرار، وهو «التأكيد على الأخوّة وإيجاد طريقة هادئة للحديث مع الآخرين».

 الكتاب: الخيانة الكبرى

تأليف: بيير لاروتورو

الناشر: فلاماريون - باريس- 2014

الصفحات: 255 صفحة

القطع: الصغير

La grande trahison

Pierre Larrouturou

Flammarion

Paris - 2013

255 pp

المؤلف في سطور

 درس بيير لاروتورو، الهندسة الزراعية، قبل أن يحصل على شهادة عليا من معهد الدراسات السياسية في باريس. انتسب للحزب الاشتراكي، ثم انسحب منه، وأسس في شهر نوفمبر من عام 2008 ما أسماه «مجموعة روزفلت»، تشبها بخطة «الإصلاح الجديد»، التي أطلقها فراكلين روزفلت عام 1933.