عاش الكاتب والروائي والناقد الأدبي الأميركي أدموند وايت سنوات عدّة من حياته في العاصمة الفرنسية باريس مدّة 15 عاماً خلال سنوات 1983 ـ 1998. وكان قد كتب عملين عن سيرة حياة الروائي الفرنسي الشهير مارسيل بروست والروائي والكاتب المسرحي جان جينيه.

لكنه خرج من تلك الإقامة أيضاً بمذكرات عن باريس وفرنسا والفرنسيين، صدر المجلّد الثاني منها هذا العام تحت عنوان: «داخل لؤلؤة: سنواتي في باريس». تجدر الإشارة أن أدموند وايت كان قد تحدّث كثيراً عن باريس في عمل سابق له تحت عنوان «باريس كما نراها ـ باريسنا».

تباينات ثقافية

هذا العمل هو بشكل أساسي عن فرنسا والفرنسيين ومحاولة تعريف الأميركيين والفرنسيين أنفسهم بفرنسا وحياتها الاجتماعية وطريقة تفكير الفرنسيين وتعاملهم مع الآخرين، كذلك التعريف خاصّة بالثقافة الفرنسية والأدب الفرنسي، وهو الأمر الذي يبدو بوضوح من خلال الشواهد التي تتكرر كثيراً في الكتاب المأخوذة من أعمال مارسيل بروست ومن سيرة حياته، بحيث يبدو أن بروست كان بمنزلة اليد الخفيّة التي قادت مؤلف هذا الكتاب في باريس.

ويحدد المؤلف منذ البداية القول إن الفرنسيين يأخذون بطبيعتهم مسافة عن الأميركيين في الوقت الذي يكنّون فيه لهم قدراً كبيراً من الإعجاب. وبرغم أنه يرى في فرنسا نوعاً من بلاده الثانية بـالتبنّي، فإنه يؤكّد أن الفرنسيين لديهم نزعة مقاومة أميركا، تلك النزعة التي تأخذ أشكال ومظاهر مختلفة. هكذا يكتب أن «الفرنسيين قاوموا العولمة، أي الأمركة بالمعنى المحدد، بأقصى فترة زمنية، وبأكبر قدر من الفعالية بالقياس إلى أي شعب آخر».

وفي ما هو أبعد من مسائل الحياة الخاصّة التي يتعرّض لها المؤلف عن حياته في باريس، يقدّم في هذا الكتاب شهادة استثنائية عن تجربة التأقلم في سنّ متقدّمة قليلاً، حيث كان عمره 43 سنة عندما قدم إلى العاصمة الفرنسية، مع نمط حياة جديد. وهو يؤكّد بأشكال مختلفة أن مثل ذلك التأقلم لم يكن سهلاً، ذلك نظراً إلى العقبات الكبيرة التي واجهته، وفي مقدّمتها «حاجز اللغة» الذي واجهه مع اللغة الفرنسية.

لكن اللغة لم تكن العقبة الوحيدة بالنسبة إلى كاتب أميركي، ولمواطن أميركي، مثل أدمون وايت. وهو يحدد أهم العقبات بالجملة التالية: «لغة أجنبية ينطق بها أهلها بسرعة كبيرة وثقافة منافسة وتاريخ تجاوز كثيراً التاريخ الأميركي، وفصول شتاء لا يتوقف المطر فيها كل الأيام، ومدينة ذات ذوق غريب في العيش».

وتبقى المسألة الأساسية التي يؤكّدها وايت هي أنه وجد نفسه مقيماً في فرنسا، ولا يستطيع التحدّث باللغة الفرنسية التي تعلّمها ببطء شديد وبكثير من الجهد. لكن بقي الأمر الأكثر تعذيباً له هو عجزه عن فهم اللغة الفرنسية عندما ينطق بها الفرنسيون بسرعة «لم يستطع قط اللحاق بها»، وكان ذلك مصدر اغتراب حقيقي بالنسبة إليه خلال الفترة الأولى من إقامته الباريسية.

لكن تلك الصعوبات كلّها وعدداً غيرها على صعيد الحياة اليومية لم تمنع المؤلف من العيش بسعادة طيلة خمس عشرة سنة أمضاها في باريس التي كان قد وصفها قبله الكاتب الأميركي آرنست همنغواي بأنها «عيد متنقّل». ويشير المؤلف إلى ميل الفرنسيين للدخول في حوارات مع الآخر في محاولة الانفتاح عليه. ويرى في ذلك نوعاً من الإرث الذي يعود إلى عصر التنوير في القرن الثامن عشر.

 المؤلف في سطور

 أدموند وايت هو روائي وناقد أدبي وكاتب سيرة أميركي، خريج جامعة ميتشيغان، عمل في الصحافة، وشرع في كتابة الأعمال الروائية في الوقت نفسه. حصل على جوائز أدبية عدّة، وهو عضو في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، درّس الأدب في جامعات يال وكولومبيا وجون هوبكنز، وقدّم نحو ثلاثين كتاباً، ونال شهرة كبيرة بعد صدور ثلاثية له عن سيرة حياته، بدأها بـ«شاب أميركي»، ثم «الحنين على الجلد»، و«سمفونية الوداع».

 الكتاب: داخل لؤلؤة.. سنواتي في باريس

تأليف: أدموند وايت

الناشر: بلمسبوري - نيويورك - 2014

الصفحات: 261 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Inside a pearl

Edmund White

Bloomsbury

New York -2014

261 pp.