الصورة الذاتية فن قديم جدا ويقال أن أوّل من دفع نحو فن الرسم هو نرسيس، أو نرجس الذي اشتقوا من إسمه تعبير النرجسية الذي يعني الإعجاب بالذات، عندما تأمّل صورة وجهه الجميل في بئر، كما تقول الأسطورة. و«الصورة الذاتية» هي موضوع كتاب مؤرّخ الفن والناقد الفنّي جيمس هول، الذي يدرس فيه المجال الفني المعني باعتباره «تاريخا ثقافياً»، حسبما جاء في العنوان الفرعي.

جذور الفن

بهذا المعنى هناك من يرى في «الصورة الذاتية» أحد الجذور الأساسية لفن الرسم عامّة. لكن ذلك لا يمنع واقع أنه صنف من للفن لم ينل الكثير من الاهتمام من قبل النقّاد الاختصاصيين ومن مؤرّخي الفن بصورة عامّة. لكن مؤلف هذا الكتاب يعارض تماما مثل تلك الفكرة، ذلك على أساس أن الصورة الذاتية لم تكن أبداً مجرّد تعبير صاحبها عن الإعجاب بنفسه.

لكن اعتبارا من بدايات عصر النهضة في أوروبا في أواسط القرن الخامس عشر أخذ صفة رسمية، كأحد الفنون وغدت الصورة الذاتية موضوعا رئيسيا أو «شخصية هامّة» في أعمال المبدعين في مختلف المجالات الفنية التي تشمل الرسم والنحت والأدب والتصوير...الخ. ذلك على الأقل ما تردده الأطروحات الشائعة التي يتفق عليها مؤّرخو الفن بشكل عام.

ازدهار وتطوّر

ويربط المؤلف بين «الاعتراف» بـ«الصورة الذاتية» كأحد صنوف تعبيرات الفن وبين ازدهار وتطوّر وازدهار تقنيات صناعة المرايا. ذلك خاصّة أن مثل الازدهار حدث في القرن الخامس عشر مع بروز ملامح عصر النهضة الذي تمثّلت إحدى سماته الأساسية في جعل الفرد ـ الإنسان في موقع الاهتمام الأول، في مركز العالم.

 ويالتوازي شكّل ظهور المرايا الزجاجية وانتشارها الكبير فرصة استثنائية للفنان كي يجعل من «صورته الذاتية» نموذجاً «موديلا» له هو نفسه. ومن خلال تلك الميزتين الكبيرتين استطاع الفنانون أن يحسّنوا مواقعهم ومكانتهم وأن يتحولوا إلى نوع من «الأبطال»، الذين تدل عليهم صورهم الذاتية.

يشير المؤلف أن الصورة الذاتية الأكثر قدما المعروفة في تاريخ الفن والتي شكّلت منعطفا فيه تعود إلى عام 1433 وهي للفنان جان فان ايك وتحمل تسمية «الرجل ذو العمامة الحمراء». وكان ذلك بمثابة الإعلان عن ازدهار كبير لفن الصورة الذاتية، كما يدل الإرث الكبير منها الذي تحفل فيه المتاحف والمعارض لرسامين ونحّاتين كانوا هم أنفسهم «موديل» أعمالهم. يذكر المؤلف بهذا الخصوص سلسلة من الأسماء والأعمال التي تنضوي كلّها تحت خانة الصورة الذاتية.

تقنيات

لكن جيمس هول يشير في الوقت نفسه أن بعض الحضارات والشعوب كانت قد عرفت منذ عصور قديمة جدا تقنيات تصنيع المرايا الزجاجية واستخدمتها في الحياة اليومية، خاصّة لدى الشرائح الغنية. المثال على ذلك يجده في الحضارة المصرية القديمة في عهد الفراعنة.

ويشير المؤلف بهذا الصدد إلى نقش مصري نافر يبدو فيه المدعو باك، الذي كان النحّات الرئيسي لدى اخناتون. ويبدي النقش المعني النحّات وهو في حلّة باهية كمؤشر واضح على انتمائه لشريحة أصحاب المكانة الرفيعة في المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه.

كذلك لا يستبعد المؤلف أن الحضارتين اليونانية والرومانية القديمتين قد عرفتا فن الصورة الذاتية. ويعيد عدم ما يدل بشكل ملموس على ذلك من منحوتات أو رسوم إلى ضياع آثارها.

مرايا غير زجاجية

والإشارة في هذا الإطار أن اليونانيين القدماء كانوا قدعرفوا سبل «التأمّل بوجوههم» في مرايا غير زجاجية ولكن أخرى مصنوعة من المعادن المصقولة. كما أن النحّاتين الإغريق كانوا قد تعوّدوا وضع «توقيعاتهم» على منحوتاتهم قبل عدّة قرون من العصر الميلادي.

ويؤكّد أن العصور الوسطى الأوروبية المعروفة بأنها الفترة المظلمة في التاريخ الأوروبي الحديث قد عرفت ذلك الفن. ويشير في هذا الصدد إلى عدد من الصور الذاتية، التي تضمّنت عليها بعض المخطوطات الكنسية والتعليمية مثل رسم ذاتي في دليل لتعلّم اللغة اللاتينية لمطران كنيسة كانتربيري وهو في حالة خشوع.

العصور الحديثة عكست بشكل جيد تعدد أشكال استخدام ودلالات الصورة الذاتية. هكذا قدّم الفنان غويا صورة ذاتية له وهو في المرحلة الأخيرة من حياته.

ويحدد القول أن فينسنت فان غوخ لجأ لـ«الصورة الذاتية» لأسباب تتعلّق جزئيا على الأقل بالمال، إذ لم يكن يستطيع الدفع للآخرين ليكونوا نموذجا «موديلاً له». ويؤكّد جيمس هول القول إنه «من المستحيل إحصاء عدد الصور الذاتية التي أنتجها فنانو العصر الحديث».

المؤلف في سطور

 جيمس هول، مؤلف هذا الكتاب، هو ناقد فني ومؤرّخ للفن، سبق له وقدّم العديد من الدراسات والكتب في عدادها «العالم كعمل منحوت: تطوّر فن النحت من عصر النهضة حتى اليوم» و«مايكل انجلو وإعادة اختراع تفاصيل الجسد الإنساني».

 الكتاب: الصورة الذاتية..تاريخ ثقافي

تأليف: جيمس هول

الناشر: تيمس و هدسون- لندن 2014

الصفحات: 288 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Self- Portrait

James Holl

Thames and Hudson ذ London ذ 2014

288 pp.