ذات عشاء في باريس خلال شهر أكتوبر من عام 1795 جلست جوزفين بوهارنيه، الأرملة آنذاك ذات الاثنين وثلاثين عاماً من العمر، إلى جانب عسكري كورسيكي اسمه نابليون بونابرت. كان قصير القامة بديناً. وكانت تلك هي المصادفة التي جمعت مصير الاثنين في قصّة لم يكن هناك ما يدلّ فيها على أن ذلك العسكري ـ العرّيف ـ الكورسيكي سيصبح أحد أهم شخصيات التاريخ وسينال لقب «الإمبراطور»، وأن تلك الأرملة ستصبح زوجته الأولى وشريكة حياته و«حب حياته» الكبير.
سيرة حياة
حظي نابليون بكمٍ هائل من الدراسات والكتب التي كرّسها أصحابها لسيرة حياته أو لحملاته أو لهذا المظهر أو ذاك من شخصيته ودوره في التاريخ الفرنسي والأوروبي والعالمي. لكن الكاتبة والمؤرخة البريطانية التي كانت قد قدّمت سيرة حياة «الملكة فكتوريا» في سنوات شبابها، تكرس كتابها الأخير لـ«جوزفين.. الرغبة والطموح ونابليون»، كما جاء في عنوانه.
جوزفين من مواليد عام 1763 في جزيرة «المارتينيك»، التي كانت إحدى المستعمرات الفرنسية وغدت فيما بعد إحدى مقاطعات فرنسا ما وراء البحار. كانت أسرتها التي تحمل اسم «تاشير دو لا باجوري» من مالكي مزارع قصب السكّر. لم تتلقّ ماري جوزيف روز، اسم الفتاة عند ولادتها، حيث كانوا يطلقون عليها اختصاراً اسم «إيفيت»، أي تعليم مدرسي عميق وأمضت طفولتها مع أخواتها وأبناء العاملين في المنزل وأبناء العبيد.
طبقة أرستقراطية
عندما بلغت إيفيت الخامسة عشرة من عمرها اقترحت إحدى عمّاتها على والدها أن يرسل إحدى بناته إلى باريس بغية تزويجها من الكونت الشاب ألكسندر بوهارنيه، الذي لم يكن سوى عشيق تلك العمّة الباريسية. وقع اختيار الأب على ابنته إيفيت.
عندما وصلت إلى باريس، تفاجأ الزوج المقترح بمدى سذاجتها وخجلها ولكنتها في النطق بلغة فرنسية على طريقة سكان جزيرة المارتينيك. لكنه مع ذلك تزوجها لتحمل اسم جوزفين دو بوهارنيه، حيث أنجبت طفلين. لكن زواجها لم يستمر وقرر الزوج الطلاق.
لقد عاشت جوزفين في باريس حياة فيها الكثير من البذخ. هكذا بلغ عدد مشترياتها في عام واحد ما يقارب «900 ثوب»، كما تشير المؤلفة. كذلك حرصت على تحسين صورتها في المجتمع الراقي، عبر تخفيف وزنها وتحسين لفظها للغة الفرنسية على الطريقة الباريسية والحرص على أن يكون أصدقاؤها من أبناء الطبقة الأرستقراطية.
العشاء الأخير
في ذلك السياق قامت الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 حيث قامت جوزفين مباشرة بتغيير نمط عيشها وسلوكها، و«استبدلت ألبستها الحريرية بأخرى مصنوعة من القماش العادي»، كما نقرأ. لكن زوجها انتهى على المقصلة وقبل أيام من تنفيذ حكم الإعدام بها جرى الإفراج عنها عندما سقط «روبسبيير» القائد الثوري الراديكالي. كان ذلك في عام 1794. بعد سنة من ذلك التاريخ كان ذلك العشاء الذي جمعها مع العرّيف الكورسيكي نابليون.
لقد استطاعت جوزفين «البقاء والاستمرار»، بعد حدثين كبيرين كان يمكن لكل منهما أن يدمّرها، أي الطلاق والثورة الفرنسية. وأصبحت تلك الفتاة الفرنسية ـ المارتينيكية الساذجة أكثر من ملكة، إلى جانب الإمبراطور نابليون بونابرت. وتؤكّد كيت وليامز أن ما كان يكنّه نابليون حيال جوزفين كان «الحب وأنها كانت حب حياته».
ما تؤكّده مؤلفة هذا الكتاب هو أن جوزفين لم تكن مدفوعة بـرغبة البقاء فحسب، لكنها كانت تريد في أعماق نفسها أن تكتسب مكانة أرفع من جميع أولئك الذين نظروا لها ذات وقت بازدراء. واستخدمت من أجل الوصول إلى غايتها ما تصفه المؤلفة بـالقوّة اللطيفة، التي أخفت وراءها طموحاتها الجامحة. تلك الطموحات تجد المؤلفة آثارها في رسائلها التي «تكشف عن تصميمها الصلب من أجل الوصول إلى غاياتها».
مكانة
وتكتب المؤلفة، أن جوزفين، عبر اللطف الكبير الذي أظهرته أرادت أن تؤكّد للجميع أنها ليست مخلوقة من أجل مثل تلك العظمة والرفعة الإمبراطورية. لكنها كانت تريد في حقيقة الأمر أن تكسب مكانة أرفع من جميع أولئك الذين كانوا قد أظهروا أنهم يكنّون لها الكثير من الازدراء.
والصورة التي ترسمها كيت وليامز لجوزفين هي أن الطموح الأكبر الذي داعب مخيلتها إلى جانب نابليون بونابرت كان المنصب الرفيع. وتشير في هذا الشأن إلى أن مطيّتها إلى ذلك كانت العاطفة المشبوبة التي حملها نابليون حيالها. ذلك ما يبدو بوضوح في الكمّ الكبير من الرسائل التي تبادلاها.
وحيث كتب لها في أول رسالة وجهها لها بعد ليلتهما الأولى؛ «إن صورة وجهك وذكريات الأمس لا تدعان مكاناً للراحة في أعماقي.. لطيفة ولا مثيل لكِ، جوزفين، أي تأثير غريب يخيّم في قلبي».
في المحصّلة ترسم كيت وليامز صورة لجوزفين تبدو فيها امرأة أكثر صلابة وتصميماً من أجل تحقيق أهداف في حياتها كانت قد رسمتها وخططت لها وعملت على تنفيذها. باختصار تبدو في صورة امرأة حديثة وليس صورة امرأة سطحية تبحث عن تحقيق رغباتها الآنية، كما رسمتها سيرها السابقة.
المؤلفة في سطور
كيت وليامز، كاتبة ومؤرّخة ومقدّمة برامج تلفزيونية بريطانية. حصلت على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة أكسفورد. لها مساهمات عدة في الصحف والدوريات البريطانية وتكتب بانتظام في «الديلي تلغراف». من مؤلفاتها «عاشقة إنجلترا» عن سيرة حياة إيما هاملتون، و«كيف تصبحين ملكة» عن فترة شباب الملكة فكتوريا.
الكتاب: جوزفين.. الرغبة والطموح ونابليون
تأليف: كيت وليامز
الناشر: هتشينسون- لندن – 2013
الصفحات: 368 صفحة من القطع المتوسط
Josephine
Kate Williams
Hutchinson– London – 2013
368 pp.
