من المعروف أن الحياة السياسية في المملكة المتحدة، بريطانيا، ظلّت طيلة حقبة زمنية، محكومة بوجود قوتين سياسيتين رئيسيتين، تتناوبان على السلطة. هاتان القوتان يدلل عليهما تقليدياً، بمعسكري المحافظين والعمال. لكن الفترة الأخيرة شهدت بروز قوة سياسية جديدة على المشهد السياسي البريطاني هي «حزب بريطانيا المستقلة». هذا الحزب هو موضوع كتاب الأستاذين الجامعيين الإنجليزيين: روبرت فورد، وماتيو غودوين، الذي يحمل عنوان «تمرّد على معسكر اليمين البريطاني».
ويناقش المؤلفان، على مدى فصول هذا الكتاب، نقاط ارتكاز ومصادر دعم هذه القوة الجديدة، التي تجذب إليها الطبقة العاملة البريطانية، أكثر من أي قوة أخرى، منذ سنوات الثمانينيات في القرن الماضي، عندما كان حزب العمال، بقيادة مايكل فوت قد مارس مثل ذلك الجذب. ويؤكّد المؤلفان، في المقابل، فكرة مفادها، أنه إذا كان «حزب بريطانيا المستقلة» يجد مصادر ناخبيه من معسكر حزب المحافظين. فذلك لا يعني أبداً أنه «يلعب لحساب اليسار» العمّالي.
الفكرة الأساسية التي ينطلق منها المؤلفان في تحليلاتهما، تكمن في القول إن هذه القوة السياسية الصاعدة، ذات الإيديولوجية «الشعبوية»، بمعنى استغلال المشاعر الشعبية، تشكل تهديداً حقيقياً لمعسكري المحافظين والعمال، في الوقت نفسه.
ويدرسان أيضاً، العلاقة بين «نزعة التطرف» و«الديمقراطية». وتبدأ تحليلات الكتاب بتقديم نبذة تاريخية حول نشأة حزب بريطانيا المستقلّة. ويعيد مؤلفا الكتاب، أسباب نجاح هذه القوة السياسية البريطانية، ذات التاريخ القصير زمنياً، إلى أسباب عدة. ويشرحان في فصول متنوعة، أن الأمر يتعلّق أوّلاً وأساساً، بالمتغيرات السياسية والاقتصادية التي أدّت في بريطانيا..
كما في غيرها من البلدان الأوروبية، إلى تضاؤل السلطة السياسية للطبقة العاملة. ونتيجة لتلك المتغيرات، أصبحت الساحة السياسية البريطانية بيد مجموعة من النخب ذات الشهادات الجامعية العليا، بينما غدت الشرائح الشعبية عامّة، بمثابة متفرّجة على ما يجري في «المعارك السياسية»، من دون أن يكونوا فاعلين فيها. مثل ذلك الوضع، ولّد عزوفاً عن المشاركة في العمليات الانتخابية منذ تلك التي شهدها عام 2005. وتعاظمت ظاهرة العزوف هذه، في انتخابات 2010.
ومن النقاط الأساسية التي يوليها مؤلفا الكتاب اهتمامهما، محاولة تحليل بنية الناخبين الذين يولون ثقتهم لحزب بريطانيا المستقلّة، من حيث الشرائح الاجتماعية التي ينحدرون منها وحساسياتهم السياسية وقربهم، أو بعدهم، من الحزبين الرئيسيين البريطانيين، المحافظين والعمال.
كما يعتمد روبرت فورد وماتيو غودوين، على الكثير من المقابلات التي أجرياها مع مسؤولين في حزب الاستقلال، ويسجلان تفاصيل آرائهم حول مراقبتهما عن قرب، لكيفية عمل الأعضاء العاديين في الحزب، على مستوى الساحة السياسية. ويصلان إلى نتيجة أساسية مفادها أن النجاح الجاري الكبير الذي يحققه حزب بريطانيا المستقلة، بقيادة رئيسه نيغل فاراج، ليس مجرّد سحابة عابرة.
وهو يكسب أكثر فأكثر، على خلفية احتفاظه بـ«خطاب احتجاجي» يبدو بمثابة «تمرّد على اليمين». ويشير المؤلفان في هذا السياق، إلى أن الحزب أضاف أخيراً، على خطابه المناهض لمسيرة التوحيد الأوروبي الذي اتسم فيه، منذ البداية، خطاباً آخر، مناهضاً للنخب ولجميع الذين يجسّدون المؤسسات العليا، وذلك مع إعلان العداء السافر لسياسات الهجرة، ما أكسبهم زخماً كبيراً من الناخبين.
المؤلفان في سطور
روبرت فورد، أستاذ جامعي لمادة العلوم السياسية في قسم العلوم الاجتماعية في جامعة «مانشستر» البريطانية. وماتيو غودوين، يحمل شهادة التأهيل العليا في العلوم السياسية، وهو أستاذ للعلاقات الدولية في جامعة نوتنغهام البريطانية.
الكتاب: تمرّد على اليمين البريطاني
تأليف: روبرت فورد وماتيو غودوين
الناشر: روتليدج ــ لندن ــ 2014
الصفحات: 672 صفحة
القطع: المتوسط
Revolt on right
Robert Ford and matthew Goodwin
Routledge- Londonذ 2014
672 pp
