قيل وكُتب الكثير عن محاكمة الفيلسوف اليوناني الشهير، سقراط، التي انتهت بموته متناولاً كأساً من السم القاتل، تنفيذاً لقرار المحكمة التي مثل أمامها. ومما لا شك فيه، أن تلك المحاكمة هي الأكثر شهرة في التاريخ الأوروبي القديم، إلى جانب محاكمة نورنبيرغ، لمجرمي النازية في التاريخ الأوروبي الحديث.

«الحدث السقراطي»، والمقصود به محاكمة سقراط، هو عنوان الكتاب الذي يقدمه أستاذ التاريخ اليوناني في جامعة السوربون، بولان إيسمار. ويشرح فيه، أن تلك المحاكمة تمثّل أحد أكثر ملامح الصورة الباقية في الأذهان، من الحقبة اليونانية الكلاسيكية، ومن تاريخ مدينة أثينا، رمز تلك الحقبة.

جرت تلك المحاكمة في عام 399 قبل الميلاد ووجه خلالها الاتهام إلى سقراط بـ«إفساد الشباب والتشكيك بآلهة اليونانيين آنذاك، وعدم اعترافه بها، مثل بقية الأثينيين ـ سكان مدينة أثينا». ويشير الكتاب إلى أن العديد من أصدقاء المتهم عرضوا الدفاع عنه أمام المحكمة، لكنه رفض ذلك بشكل قاطع.

ولا يتردد مؤلف الكتاب، في اعتبار تلك المحاكمة والحكم الذي صدر في نهايتها بالموت على سقراط، بمثابة النقطة السوداء الكبرى في تاريخ ما يسمّى بـ«الديمقراطية اليونانية القديمة».

يشرح بولان إيسمار أن المؤرخين والمفكرين الغربيين انقسموا عموماً، حيال الحدث السقراطي، إلى تيارين عريضين. تيار رأى في المحاكمة وما آلت إليه، خطأ «لا يمكن غفرانه» اقترفته أثينا باسم الديمقراطية. وتيار آخر، ضم المدافعين عن منظومة أثينا القديمة الذين عملوا منذ القديم حتى الوقت الجاري، من أجل التقليل من قيمة محاكمة سقراط، واعتبارها مجرّد حدث مأسوف عليه وليس جريمة تدين المنظومة بكاملها.

كما يؤكد المؤلف في السياق، أهمية الظرف التاريخي لتلك المحاكمة، ذلك أن أثينا عرفت في تلك الفترة، حالة تقهقر أمام إسبرطة، منافستها من أجل الهيمنة، بعد أن كانت المدينة الأكثر قوة في العالم اليوناني. وإضافة إلى أزمة اقتصادية واجتماعية حادّة وتوترات سياسية كبيرة.

وارتفعت عندها أصوات عدة، أعادت الهزيمة ضد إسبرطة إلى خسارة القيم التقليدية. ومن هنا يعد سقراط بمثابة كبش فداء، وبالتالي جرت محاكمته بعد أن سبقته إلى المحكمة؛ «سمعته» كأحد رموز التيار «السفسطائي» المسؤول عن الهزيمة.

هدف الكتاب يحدده المؤلف، بعد توصيف أبعاد محاكمة سقراط وآثارها الباقية ودلالاتها، بكتابة تاريخ تجربة أثينا على ضوء تلك المحاكمة. ويذهب أبعد من ذلك، إذ يدرس مختلف وجوه «سلوك سقراط» التي أدّت إلى محاكمته بما في ذلك فلسفته السياسية وفرادة النهج التربوي الذي تبنّاه. ويبين هنا، أن محكمة سقراط عرفت قراءات متنوعة، منذ بداية العصر المسيحي، ومن خلال ذلك التعرّض لفكر الفيلسوف الذي تراوحت النظرة إليه، بين: نوع من القداسة واعتباره سيّد الفلاسفة في عصر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر.

ويوضح المؤلف أن «الحدث السقراطي»، المتمثّل بمحاكمة الفيلسوف، أكثر تعقيداً مما يبدو للكثيرين. ذلك أن التناقضات أحاطت به منذ البداية، كما يظهر من التعارض في المصادر اليونانية نفسها. ويلفت إلى أن العقود القليلة التي أعقبت رحيله، شهدت صدور 300 كتاب كان سقراط هو الشخصية الرئيسية فيها.

 المؤلف في سطور

 يعمل بولان إيسمار، أستاذاً للتاريخ اليوناني القديم في جامعة السوربون، وهو مؤرّخ لتلك الحقبة ومتخصص في التاريخ الاجتماعي والسياسي للمدن اليونانية القديمة، وفي مقدمتها أثينا. قدّم العديد من الدراسات عن حضارة الإغريق.

 الكتاب: الحدث السقراطي

تأليف: بولان إيسمار

الناشر: فلاماريون - باريس 2014

الصفحات: 300 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Lصevenement Socrate

Paulin Ismard

Flammarionذ Paris ذ 2014

300 pp