تدل الحدود بشكل عام على ما يفصل ويميّز بين الأشياء والأنواع والدول وغيرها من الكيانات، أمّا في السينما فإنها تدل بشكل أساسي على ما يفصل بين الأعمال الإبداعية «الخيالية» وبين الأعمال الوثائقية.

ومدير الأبحاث في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية وأستاذ الفنون الجميلة وصاحب سلسلة من الكتب عن السينما جاك أومون يكرّس كتابه الأخير للبحث في «حدود الخيال الإبداعي» في السينما. وقد تزامن صدور هذا الكتاب مع مهرجان كان السينمائي السنوي في جنوب فرنسا الذي يعدّ من أهم مهرجانات الفن السابع في العالم.

الفكرة السائدة عن مفهوم «الحدود» في السينما تتمثل، كما يشير مؤلف الكتاب، في أن الأفلام الوثائقية ينبغي أن تخدم بكل بساطة كـ«وثيقة» أمّا سينما الخيال فمهمتها بالأحرى هي «تسلية» المشاهد وتحريك انفعالاته.

لكن مثل هذا التحديد لا يمكن أن يكون «صارماً»، بل ليس واضحاً، فأي عمل وثائقي ومهما كانت دقّته لا يمكن أن يعكس الواقع كما هو، بل يشوبه شيء من الخيال الذي يقوم فيه، والعامل الذاتي لا بدّ أن يكون له وزنه في الواقع «الموضوعي».

ومن الأبعاد الأساسية لهذا الكتاب هو أن مؤلفه يريد له أن يكون بالوقت نفسه نوعاً من التأريخ لفن السينما ومحاولة استشفاف تاريخي لمستقبل هذا الفن. هذا من موقع الناقد والمنظّر السينمائي. ويولي المؤلف اهتمامه الخاص بمستقبل الفن السابع في عصر الثورة الرقمية التي أثارت الكثير من التحولات، خاصة على صعيد تجربة توظيف الزمن.

ويحدد جاك اومون القول إن الفيلم الوثائقي ومهما تمّ التأكيد على مرجعياته الواقعية، فإنه في المحصلة نتيجة عملية إخراج سينمائي، وأنه يخضع لعملية تركيب عبر المونتاج، وعبر ضبط الصورة «الكادراج». ثم هناك البعد الدعائي، الذي يمكن أن يكون في خلفية الأعمال الوثائقية حيث يشير المؤلف بهذا الصدد إلى العمل الدعائي، الذي قامت به الآلة السينمائية الدعائية في البلدان الشمولية في أوروبا الشرقية والوسطى خلال القرن العشرين.

بكل الأحوال تتم الإشارة إلى نوع من الاتفاق العام على أن الأفلام الوثائقية لا تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ «مجال الخيال الإبداعي»، بل تنتمي بالأحرى إلى مجال الواقع الملموس المادي الذي تريد نقل صورة عنه.

وتكمن مهمتها في أغلب الأحيان بـتعميق فهم المشاهد لذلك الواقع. أمّا الأعمال الإبداعية التي يركّب الخيال عالمها، فهي تصوغ صورة ذاتية للواقع الذي تبدعه. هنا أيضا يؤكّد المؤلف على أن الإبداعي والوثائقي يقيمان بينهما نوعاً من الروابط الخاصّة بين المظهر والواقع، بين المرئي وحقيقته الواقعية.

لكن هناك مقولة مفادها إن ما هو من إبداع الخيال هو أكثر واقعية من الواقع. ذلك بمعنى أن سينما الخيال الإبداعي يمكن أن تقدّم عبر الأدوار صورة أكثر تعبيراً عن واقع اجتماعي ما، وتملك قدراً كبيراً من «التوافق وغياب الوهم»، من حيث المبدأ الذي تقوم عليه، مما هو لدى الأعمال الوثائقية.

وأن هناك إدراكاً واضحاً لا لبس فيه بين صاحب العمل الإبداعي وبين مشاهده بأن حقيقة ما يراه موجودة في الخيال. على العكس هناك بعد خيالي في السينما الوثائقية وأنها تخفيه خلف صورة تقدمها على أنها تعكس الواقع.

ما يركّز عليه المؤلف في تحليلاته هو أن ما يسمّى بـ«السينما الموسّعة» في ظل الثورة الرقمية وبفضل الآلات المحمولة والصناعة الرقمية ستؤدي إلى جعلنا غير مجبرين على رؤية عمل من بدايته والانتهاء بنهايته ليست سوى مجرّد أفكار عامّة، بل وقليلة المصداقية. والتأكيد أن للسينما عالمها وزمنها لكن ذلك لا يلغي وجود عالم «ألعاب الفيديو» وما ينضوي في إطاره.

وعن تداخل الحدود بين الخيال الإبداعي والواقع يحدد المؤلف القول إن «الإبداع يطرح الأسئلة على الواقع» ثم يصوغ ما يتبدّى له من ذلك الواقع بصورة رمزية كانت السينما أحد تعبيراتها الرئيسية خلال القرن العشرين.

 المؤلف في سطور

 جاك اومون حائز على شهادة الهندسة من كلية التقنيات المتعددة «بوليتيكنيك» مدير للدراسات في المدرسة العليا للدراسات للعلوم الاجتماعية وأستاذ للفن والنقد السينمائيين في العاصمة الفرنسية باريس. قدّم سلسلة من الكتب تزيد عن العشرين كتاباً جلّها عن السينما وعالمها.

 الكتاب: حدود الخيال الإبداعي

تأليف: جاك اومون

الناشر: بايار- 2014

الصفحات: 230 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Les limites de la fiction

Jacques Aumont

Bayard

Paris- 2013

230 pp