تحت عنوان «أضواء المعرفة» صدر كتاب الأستاذ الجامعي في مدينة تورنتو الكندية فرنسيس كودي. وهو يخص فيه بالدراسة نشاطات محو الأميّة في العديد من بلدات تسكنها غالبية من «التامول» بجنوب الهند. ويتعرّض من خلال ذلك لدراسة البنية الاجتماعية والثقافية ومسار تطورها بالنسبة للمنطقة المدروسة.
وتتم الإشارة بداية إلى أن الهند عموماً تبذل جهوداً كبيرة منذ سنوات عدة في مجال محاربة الأميّة وتعميم التعليم بالنسبة لجميع أطفال البلاد. هكذا ازداد معدّل محو الأمية بين مجموع الهنود الذين تزيد أعمارهم على سبع سنوات بـ9.2% عام 2011 وحده لتصل النسبة العامّة إلى ما يزيد بقليل عن 74 %. والإشارة في نفس الإطار أن نسبة النساء الهنديات اللواتي اتبعن دورات محو الأميّة تحسّنت كثيراً بالقياس إلى نسبة الرجال.
ويعود المؤلف في دراسته لمنطقة جنوب الهند إلى مطلع عقد التسعينات الماضي عندما شرع مئات الآلاف من القرويين «التامول» الذين يعيشون في جنوب الهند بالمثابرة على دروس محو الأميّة والمساهمة في العديد من التظاهرات الأخرى التي تصب كلّها في فتح دروب المعرفة أمامهم وبالتالي فتح آفاق جديدة لممارسة دور «المواطنين النشطين» في المجتمع وعلى صعيد مختلف آليات عمل الدولة.
والإشارة منذ البداية إلى أن مثل ذلك النشاط التعليمي والتنويري جرى تحت عنوان عريض هو حركة التنوير، أو «إريفولي أياكام» باللغة المحلية. ويحدد المؤلف القول إن لتلك الحركة وظيفة ثقافية على مستوى جماهيري واسع بالاعتماد على حركة اجتماعية قوية.
وملاحظة أن الغالبية العظمى من المناطق المعنية هي مناطق ريفية وأن نسبة كبيرة من أولئك الذين يتابعون دروس محو الأمّية هن من النساء. كذلك ملاحظة أن عدداً كبيراً من الذين يقومون بالتدريس وبتنشيط الحركة هم من المتطوعين. ويشرح المؤلف أن النساء في الأرياف بمنطقة التامول في جنوب الهند يؤكدن مثل تلك القاعدة الهندية بامتياز.
ويحدد المؤلف القول: إن عملية محو الأميّة ليست مجرد التردد على أماكن الدراسة، ولكنها بالأحرى مسألة أكثر تعقيداً. لذلك يستخدم مفهوم محو الأميّة بصيغة الجمع وليس بصيغة المفرد، ذلك أن الطريقة المتبعة والغايات المرجوّة تتباين حسب المجتمعات، كما حسب كفاءات الإدراك الذهني للمعنيين. المجتمعات والكفاءات تتشكل بالضرورة تبعاً للظروف والسياقات، كما تبعاً لآليات معقّدة ومختلفة من منطقة إلى أخرى.
كما يؤكّد فرنسيس كودي العامل اللغوي من زاوية ما يسمى «الإيديولوجيات اللغوية» المحليّة. ذلك بمعنى أنه لكل منطقة سبلها وطريقتها في صياغة الأفكار ونقلها وقبولها. بالتالي لا يرى في اللغة مجرّد وسيلة للتعبير وللتواصل بين البشر، بل هي «أداة عملية» للمشاركة في الحياة الاجتماعية وفي الفعل الاجتماعي والانفتاح على المعرفة.
ويميّز المؤلف في مجال محاربة الأميّة بين البلدان ذات التشكّل الحديث من حيث سكّانها، مثل كندا وإلى حد كبير الولايات المتحدة الأميركية، وبين البلدان ذات التقاليد القديمة «الموثّقة»، حيث تتشكل نخب ذات مكانة مرموقة في المجتمعات المعنية بها، مثلما هو الأمر بالنسبة لمنطقة «تاميل نادو» بجنوب الهند.
وفي مثل هذه الحالة يبقى «ولوج دروب المعرفة» مرهوناً بطبيعة العلاقة والدينامية التي تحكمها بين النخب وبقية شرائح المجتمع. ويبقى المستوى المعرفي أحد معايير «التمييز» بين الأفراد على صعيد المكانة الاجتماعية. ويناقش المؤلف على مدى صفحات كثيرة من الكتاب المشاكل والمعضلات التي يواجهها العاملون والمتطوعون المناضلون في مجال مكافحة الأمية. وهي مشكلات تعود بالدرجة الأولى في منطقة مثل التي يدرسها في جنوب الهند إلى دوافع القائمين على «الحركة التنويرية» وأهدافهم من الحركة نفسها.
ومن الأفكار الأساسية التي يطوّرها مؤلف هذا الكتاب، تأكيد وجود «نزعة نضالية» لدى النساء في منطقة «التامول» رغم الموقع «الهامشي»، الذي يشغلنه في المجتمع. ويشرح كيف أنهن أبدين قدراً كبيراً من النشاط من موقع «البحث عن المعرفة» و«المساهمة في الأعمال التطوعية»، فيما يعتبره الكثيرون بمثابة إحدى حركات محو الأمية الأكثر نجاحاً في التاريخ الحديث «ما بعد الاستعماري».
المؤلف في سطور
يحمل فرنسيس كودي، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه من جامعة ميتشيغان الأميركية. يعمل أستاذاً لمادة تطوّر المجتمعات الإنسانية في مركز الدراسات الآسيوية بجامعة تورنتو الكندية، ويولي اهتمامه لدراسة الدينامية الاجتماعية في جنوب الهند.
الكتاب: أضواء المعرفة محو الأمية في جنوب الهند
تأليف: فرنسيس كودي
الناشر: جامعة كورنيل 2013
الصفحات: 272 صفحة
القطع: المتوسط
The light of knowledge
Francis Cody
Cornell University Press - 2013
272 pp.
