الدانمارك أكثر البلدان سعادة في العالم، والدانماركيون يؤكّدون ذلك علانية، هذا ما توضحه استطلاعات رأي عديدة، منذ العام 1973. ذلك على الرغم من أن الدانماركيين يدفعون ضرائب عالية بالقياس إلى بقية البلدان الأوروبية، وأعلى بكثير من ما يدفعه الفرنسيون ـ الأقل سعادة ـ بالقياس إلى الدخل.

حول تلك المفارقة الخاصّة بالسعادة بين الدانماركيين والفرنسيين، تقدّم مالين ريدال، المولودة في الدانمارك، والفرنسية بالتبنّي منذ سنّ الثامنة عشرة، كتاباً تحت عنوان «سعيد مثل دانماركي». وتجعل بحثها قريباً من التحقيق الصحافي حول خلفية الموقفين: الدانماركي والفرنسي، من مفهوم السعادة، كما تصوغ عدداً من النصائح الفلسفية والحياتية للمتشائمين.

طرق إنفاق

وتشير المؤلفة إلى عدد من السلوكيات المختلفة بين الدولتين الفرنسية والدانماركية، في ما يتعلّق بكيفية إنفاق الأموال العامّة. ذلك على خلفية القول إن طريقة الإنفاق هي التي تلعب دوراً حاسماً في قبول المعنيين بدفع الضرائب أو محاولة التهرّب منها، إلى هذه الدرجة أو تلك.

المثال البليغ الذي تقدّمه المؤلفة في هذا المجال، هو أن الدولة الدانماركية تدفع شهرياً لكل طالب جامعي، معونة شهرية قدرها 760 يورو، بغضّ النظر عن دخل والديه.

وتسأل مؤلفة الكتاب: فهل هذا نوع من التبذير أم استثمار في المستقبل؟ وتشير في السياق ذاته إلى أن أولئك الدانماركيين الذين يفقدون عملهم، يتقاضون تعويضات شهرية كبيرة، لكنها مرفقة بإجراءات صارمة لبحث المعنيين عن فرص عمل، من دون مماطلة أو تأخير.

مشروع جماعي

من السمات الأساسية التي تؤكّد عليها المؤلفة بالنسبة للدانمارك، أنها بلاد تعرف، منذ عقود، صحّة اقتصادية جيدة. وهناك حالة توازن حقيقية بين حياة البشر الخاصّة وحياتهم المهنية. وبشكل عام، لا تزال الدانمارك تعرف حالة عامّة تجعل الأجيال الجديدة تعتقد دائماً أن مصيرها أفضل من مصير الآباء.

وذلك على عكس فرنسا تماماً، حيث يسود الإحساس أن الأجيال الجديدة لم تعد تمتلك من الحظوظ ما كان يمتلكه الآباء. وما بين الحالتين، ترى المؤلفة أن الدانمارك لا تزال تسمح بوجود مشروع جماعي، بينما الأمر ليس موجوداً بالقدر الكافي بالنسبة للأجيال الفرنسية الجديدة.

وتضيف المؤلفة في معرض المقارنة، إن الدانماركيين لا يزالون يذهبون إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة في كل عملية انتخابية، ولا يقطعون الشارع قبل أن تعلن الإشارة الضوئية السماح لهم بذلك، حتى لو كان الوقت في الساعة الثالثة صباحاً في ليلة مثلجة، وفي شارع فرعي صغير. وتروي المؤلفة الكثير من الأحداث الصغيرة، تدلل فيها إلى أمانة وثقة وسعادة الدانماركيين.

ثقة وقناعة

تحدد المؤلفة عدّة أسباب تجعل الدانماركيين أكثر سعادة من غيرهم. في مقدمة تلك الأسباب الثقة التي يتمتعون بها ويمارسونها. ثم هناك واقع أنهم «يحبون مدرستهم». وتشرح أن النظام التربوي الدانماركي لا يحرص على تكوين النخب، بل بالأحرى، تأمين قاعدة من المعرفة يجري تعليمها بطريقة يمكن للغالبية متابعتها.

كما أن مستوى التعليم لا يحدد تبعاً للأفضل، إنما تبعاً للنموذج العام، المتوسط، بحيث «لا يجري استثناء أحد منه».

وسبب ثالث هو أن تبعية الأطفال في تأمين معيشتهم للأهل، غير كبيرة. إذ إن 70 بالمئة من الشبيبة، ما بين 13 سنة و17 سنة، يمارسون عملاً إلى جانب المدرسة.

 وتصل هذه النسبة إلى أكثر من 80 بالمئة، اعتباراً من الثامنة عشرة من العمر. وتبقى الأعمال الأولى متواضعة غالباً، فالبنات يحرسن الأطفال، بينما يمارس الشبّان تسليم الصحف أو العمل اليدوي في المخازن الكبرى.

والدانماركيون «ليسوا أغنياء ولا فقراء، وهذا سبب رابع لسعادتهم. ذلك أنهم يستطيعون الترقي على السلّم المهني بسهولة أكبر من ما في فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا، كما تشير المؤلفة اعتماداً على تقارير منظمات رسمية مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كما أنهم واقعيون وقانعون بما لديهم».

 

المؤلف في سطور

تعمل مالين ريدال، مديرة اتصالات وإعلام لدى مجموعة «هيات» في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، وهي من أصل دانماركي أقامت في العاصمة الفرنسية باريس لمدة 18 عاماً. أسست مع أخ لها مفهوماً جديداً لمطاعم الوجبات السريعة ينبني على أساس نباتي في كوبنهاغن.