عرفت فرنسا في عام 1948، حركة إضراب كبيرة أطلقها عمال المناجم. وإلى تلك الصفحة من التاريخ الاجتماعي الفرنسي، تعود الصحافية دومينيك سيمونو، في كتابها الذي يحمل عنوان «أكثر ظلاماً في الليل»، إذ تشرح فيه الظروف التي أحاطت بذلك الإضراب، ووحشية كيفيات وأدوات قمعه.

حياة المناجم

إن هذا العمل يعيد إلى الذاكرة، الرواية الشهيرة التي قدّمها اميل زولا عن حياة عمّال المناجم: «جيرمينال». ويبدو لمن يشرع في قراءة هذا العمل الجديد، أنه أمام عمل روائي جديد عن حياة عمّال المناجم في فرنسا، منذ تحريرها من الاحتلال النازي وحتى الوقت الحالي.

لكن الأمر لا يتعلق برواية في واقع الأمر، إنما بعمل توثيقي بصفة تحقيق صحافي أنجزته صحافية متخصصة في الملفات القضائية والقانونية. وتروي أنها لم تفعل في الكتاب، سوى أدائها لعملها الصحافي، عبر إصغائها إلى سبعة من عمال المناجم السابقين، والى زوجاتهم. ومن ثم وصف حياتهم والمسارات التي عرفتها منذ عام 1948 وحتى هذه الأيام.

مقاومة بطولية

ويمثّل العمل في أحد جوانبه، نوعاً من التأريخ للحالة الاجتماعية التي عرفتها فرنسا، بعد ثلاث سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي تلك الفترة وجد عمّال المناجم أنهم مدعوون لزيادة إنتاجهم من الفحم، الذي كان يمثّل نسبة 80 بالمئة من مصادر الطاقة المستهلكة. وبسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة آنذاك، قررت وزارة الصناعة إلغاء الامتيازات التي كان يستفيد منها أولئك العمال عند التحرير.

وكانت تلك الامتيازات بمثابة تعويض لعمّال المناجم عن الجهود التي كانوا بذلوها في زيادة الإنتاج من جهة، ولما أظهروه من مقاومة بطولية لجيش الاحتلال النازي.

وفي عام 1948، عندما قررت الحكومة إلغاء الامتيازات التي حصل عليها عمّال المناجم، مكافأة لهم على الجهود التي بذلوها في زيادة إنتاج الفحم، وعلى المواقف التي اتخذوها ضد قوات الاحتلال، قرروا الإضراب ضد حكومتهم «الوطنية». وكان الإضراب شاملاً، إذ شارك فيه جميع المناجم، من شمال البلاد حتى جنوبها.

حركة احتجاج

كان رد السلطات على ذلك الإضراب عنيفاً، ونشرت 80 ألف عنصر من قوات الجيش والشرطة رابطوا في مواقع لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن مناجم الفحم، من أجل التدخّل سريعاً لقمع أية حركة احتجاج. وذلك ما حصل بالفعل.

 وما تؤكّده المؤلفة هو أن الأحكام القضائية التي صدرت بحق عمال المناجم، والمعاملة «غير الإنسانية» التي تعرّضوا لها، أثارت نقاشات حادّة في الجمعية الوطنية الفرنسية «البرلمان». ولم يتردد عدد من ممثلي الشعب الفرنسي في الحديث عن ما أسموه «ملحمة عمال المناجم».

المؤلف في سطور

 

دومينيك سيمونو، صحافية فرنسية متخصصة في المسائل القانونية والقضائية، عملت في صحيفة «ليبيراسيون» الباريسية، حيث تولّت لفترة، رئاسة جمعية المحررين فيها. تركت العمل في «ليبيراسيون» عام 2006، لتعمل في مجلة «لوكانار انشينيه» أو «البطّة المقيّدة» الساخرة، التي تصدر باستمرار منذ عشرات السنوات، معتمدة حصراً على مبيعاتها.