نعيش، حالياً، حقبة الثورة الرقمية. هذا ما يتفق عليه الجميع. لكن، ما الرهانات الحقيقية لهذه الثورة على مختلف الصعد؟ الصحافي الفرنسي، كليمان سينيشال، يرد على هذا السؤال بكتاب يحمل عنوان «وسائل إعلام ضد وسائل إعلام». ويناقش فيه ما يصفه بـ«مجتمع الاستعراض في مواجهة الثورة الرقمية»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
ويشرح المؤلف أن المنظومات السائدة في العالم الغربي الرأسمالي، تمارس على الصعيد الاجتماعي نوعاً من التهميش السياسي والاقتصادي لشرائح كبيرة، بعيدة عن مراكز القرار بكل أشكاله. وتأتي وسائل الإعلام كي تمارس «هيمنة ثقافية» وتحاول باستمرار صياغة الرأي العام، تبعاً لتوجهات السلطات السياسية والاقتصادية، فيما وراء الواجهات الديمقراطية.
مجتمع الاستعراض
التوصيف الذي يطلقه المؤلف على وسائل الإعلام التقليدية، من تلفزيون وإذاعة وصحافة مكتوبة، أنها «وسائل إعلام عمودية». ذلك بالمعنى الذي تتعامل فيه فعلياً، مع متلقين سلبيين منفصلين عنها، كونها تمثل مركزاً يتلقون منه مصدر معلوماتهم.
وبالتالي، تسهم في صياغة آرائهم، وفي المحصّلة في تحديد ولاءاتهم السياسية والانتخابية. والمجتمع الذي تسود فيه مثل تلك العلاقة «بين مركز يقرر ومحيط يتلقّى، يسميه المؤلف بـ«مجتمع الاستعراض»، حيث ترسخ هذا التعبير منذ صدور كتاب الباحث غي ديبور: «مجتمع الاستعراض».
وسائل الإعلام في مجتمع الاستعراض ذات الطبيعة «الشاقولية»، تبدو بوضوح، حسب تحليلات المؤلف، مؤطّرة، ويتبعها المشهد الإعلامي كلّه، من قبل مجموعات قويّة. لكن الجديد في هذا المشهد، يجده في وسائل الإعلام الجديدة «الرقمية» التي فتحت عملياً جبهات في منظور «إعادة صياغة» المشهد الإعلامي، حسب قواعد جديدة، هي الأخرى.
بنية إعلامية
ويرى المؤلف أن وسائل الإعلام الرقمية تعمل على الصعيد الأفقي، بمعنى أنها تقوم على مبدأ المشاركة في المعلومات، وتجعل مصادرها بعيدة عن المركزية. إذ يمكن لكل مستخدم لشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، أن يكون هو نفسه مصدر المعلومات، والذي يختار ما يتلقاه منها.
عبر مثل تلك المشاركة المتاحة بفضل الإعلام الرقمي بكل وسائله، يحدث نوع من إعادة رسم محيط ومعالم عالم إعلام، كان ولا يزال إلى حد كبير، في قبضة مجموعات تسيطر في مختلف الدول الغربية، على وسائل الإعلام، ما عدا بعض الاستثناءات القليلة جداً.
الوضع الحالي في الميدان الإعلامي في العالم الغربي، يصفه المؤلف كالتالي؛ «إن البنية الإعلامية لشبكة الإنترنت وغيرها من شبكات التواصل الاجتماعي، تطلق من جديد المعركة الثقافية المجمّدة حتى الآن، بسبب وزن المواقف التي تمليها مصالح المجموعات التابعة لها».
معابد إيديولوجية
هذه المجموعات، كما يقدمها، ليست اقتصادية فحسب، بل هي أيضاً تعبر عن واقع اجتماعي شامل، ولا يمكن فصله عن نمط خاص في العيش، وفي ثقافة لها خصوصياتها، ولها وسائل إعلامها التي تروّج «أيديولوجيتها». ولا يتردد المؤلف في القول إن وسائل الإعلام الجديدة، الرقمية، ستساهم في تحرّيك خطوط الجبهة في هذه المعركة الثقافية.
تحليلات هذا الكتاب تتركز عملياً في محورين أساسيين؛ المحور الأول يحلل فيه المؤلف وسائل الإعلام العمودية التي تعود إلى مجموعات المصالح الكبرى.
ويحدد القول إن وسائل الإعلام هذه تتماشى مع «احتكار السلطة في المشهد الإعلامي»، بعدد من المراكز التي تتمثل مهمتها الحقيقية في حراسة المعبد الأيديولوجي الذي تمثّله تلك المراكز. هؤلاء الحرّاس هم الذين يحملون الكلام الجميل للمبعدين عن أي مصدر للخطاب الإعلامي.
المؤلف في سطور
كليمان سينيشال، صحافي فرنسي عمل لفترة من الزمن في مجموعة «ميديابار» ويساهم بالكتابة في عدد من الصحف والدوريات، حول رهانات الثورة الرقمية في حقل الإعلام.
