الان راي، مدير سلسلة من القواميس الفرنسية على مدى العقود الخمسة الأخيرة ، هو أحد عشّاق اللغة، الفرنسية خاصّة واللغة بمفاهيمها ووظائفها الجامعة عموما، اذ كان قد وهبها جهده وركّز عليها أبحاثه من دون كلل أو ملل. وحمل كتابه الصادر في نهاية عام 2013 العنوان التالي «رحلة الكلمات» الذي كرّسه لدراسة الكلمات الفرنسية ذات الأصول القادمة من الشرق العربي ومن بلاد فارس، كما يدل العنوان الفرعي.

كان قد صمم الغلاف الأوّل للكتاب والتوليفات التي يقدمها عبر الخط العربي، الخطاط التونسي لسعد المطوي، صاحب العديد من الكتب حول مجال اختصاصه، والذي كانت أعماله موضوع الكثير من المعارض في فرنسا وعدد من بلدان العالم. وعلى الخط العربي الذي دوّنه الخطاط التونسي، علّق الان راي قائلا، ان الخط العربي مكان «يلتقي فيه الجمال مع المتعة».

يحدد مؤلف الكتاب مهمة عمله في تقصّي رحلة الكلمات القادمة من الشرق نحو الغرب، ممثلا باللغة الفرنسية بالجملة التالية :«مسارات الكلمات المرتحلة من الشرق وخطوط سيرها غير المرئية في المجال المتجدد باستمرار للغة الفرنسية. تلك المسارات التي تبدو كأنها منثورة في المرّآة السحرية للفن في لقاء حميم بين الشرق والغرب».

وهذا الكتاب، بالإضافة إلى بعده اللغوي الواضح، هو أيضا، بحث في لقاء الثقافات وآليات تفاعلها المتبادل عبر الكلمات، التي تنتقل من ثقافة إلى أخرى في مختلف الميادين. ويلفت مؤلفه الى أن مثل الأمر لا يقتصر على لغة محددة، ولكنها سمة مشتركة تلتقي فيها جميع اللغات.

ويوضح ذلك بداية من أرقام الحساب، مثل «الصفر»، وحتى مرورا بالعلوم والطب فالموسيقى« آلة الغيتار ـ Guitare » باللغة الفرنسية، المشتقّة من القيثارة«. كذلك العود الذي يحظى اسمه باللفظ نفسه تقريبا في الفرنسية. وكذا الفنون المتبقية، إذ تحوز، مثلا، بعض الألوان مثل »اللازوردي ـ azur« والقرمزي- kirmiz» باللفظ عينه. إضافة الى الأعمال التجارية حيث الأمثلة عديدة، مثل تبنّي كلمة «مخزن ـ magazin» و«تعرفة ـ tariff»، للدلالة على سعر السلع.

يبين راي أن البوابتين الرئيسيتين لولوج الكلمات العربية وغيرها، القادمة من الشرق، كانتا في غالبية الأحيان: إيطاليا وأسبانيا. وكانت تلك البوابتان مدخلا ايضا للكثير من السلع والمنتوجات التي انتقلت معها أسماؤها إلى العديد من اللغات الأوروبية، وفي مقدمتها الفرنسية. إذ كانت فرنسا من أكثر بلدان القارّة ازدهارا. وهكذا دخلت ألفاظ »الإكسير ـ elexir« و»العنبر - amber « و»القهوة ـ café «، وكثير غيرها، الى اللغة الفرنسية .

وتلك »الرحلة للكلمات والأفكار، حملت معها بعض معالم الحضارات القادمة من الشرق: العربية والفارسية والتركية، إلى الغرب الأوروبي، وعبر دخولها في قواميسه اللغوية زادت من ثراء فكرنا ووسّعت من آفاق مخيلتنا«، كما يكتب الان راي. ويشدد على أن الحضارات الشرقية موجودة وحاضرة سرّا في العديد من طرق التعبير باللغات الفرنسية والاسبانية والإيطالية والإنجليزية، متجاوزة جميع الحدود.

ولا يتردد المؤلف في القول، ان الشرق قدّم للغة الفرنسية وغيرها من اللغات الأوروبية، كنزا من الكلمات العربية التي زادت من القدرات التعبيرية للغات المعنية، كي تسمّي أشياء العالم، من الأرض إلى الفضاء.. ومن العلوم إلى المعتقدات.. ومن مظاهر الطبيعة إلى أشياء الحياة اليومية..

ومن الحرب إلى السلام . وهكذا مثلا، يشير المؤلف إلى الأصل العربي لكلمة »هول ـ Houle «، التي تعني هيجان الأمواج في المحيط، ويشرح أن أصلها العربي هو » هول، هول ما يحدث«، بمعنى التهديد بخطر محدق.

 المؤلف في سطور

 تولّى الان راي، مؤلف هذا الكتاب، إدارة تحرير »قواميس روبير« الفرنسية الشهيرة ــ إلى جانب قواميس لاروس ـ ،منذ حوالي 50 سنة. وهو أحد المساهمين الرئيسيين في تحرير قاموس »روبير الصغير ـ Petit Robert « والقاموس التاريخي للغة الفرنسية والقاموس الثقافي الكبير .

 

الكتاب: رحلة الكلمات

تأليف: الان راي

الناشر: غي تريدانييل- باريس- 2013

الصفحات: 448 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Le voyage des mots

Alain Rey

Guy Tredaniel - Paris- 2013

448 pp