يكرس الباحث الجغرافي الفرنسي، جان بيسّون، كتابه الأول لـ «البحر المتوسط في الحرب»، أي في الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد أكثر للفترة الواقعة، بين الثامن من شهر نوفمبر من عام 1942 والتاسع من شهر سبتمبر من عام 1943، كما يقول العنوان الفرعي لهذا العمل.
ويبرر بيسون اختياره للحقبة المدروسة، في كون أنه في ليلة 7 إلى 8 من شهر نوفمبر 1942 سيطرت جيوش الحلفاء على مدينة الجزائر، التي كانت تابعة الى فرنسا، الخاضعة آنذاك لحكومة فيشي المتعاونة مع الاحتلال النازي. وكانت البحرية الملكية البريطانية هي القوّة الضاربة الأساسية التي خططت لتلك العملية البحرية، وفقدت فيها مدّمرتين. أمّا في التاسع من شهر سبتمبر 1943، أي في نهاية الفترة التي حددها المؤلف لدراسته، فاستسلمت مالطة وهو ما كان بمثابة الإعلان عن انتصار البريطانيين في البحر الأبيض المتوسّط.
يشرح المؤلف بداية، أن شهر نوفمبر من عام 1942 شهد منعطفا كبيرا في الحرب العالمية الثانية في غرب البحر الأبيض المتوسط. اذ انتهى آنذاك الوجود البحري لحكومة فيشي في فرنسا، المتعاملة مع قوّة الاحتلال الألماني. واستعاد الفرنسيون والبريطانيون والألمان، تحالفهم بقوّة.
ويشير المؤلف في هذا السياق، إلى أن القائد الألماني الشهير رومل، المعروف بـ «ثعلب الصحراء»، كان قد شرع في عملية الانسحاب من مصر في شرق المتوسط، منذ السابع من ذلك الشهر: نوفمبر 1942 . وكانت معركة ستالينغراد على الجبهة الروسية قد بدأت أيضا. وفي مطلع شهر فبراير من العام التالي 1943 طردت الجيوش الالمانية والإيطالية من إفريقيا كلّها .وفي صيف تلك السنة، حققت جيوش الحلفاء انتصارها في معركة الأطلسي.
لكن المؤلف يؤكّد على أنه كان لمعركة الجزائر في شهر نوفمبر 1942، خصوصيتها، بالقياس إلى غيرها. ويحدد تلك الخصوصية في كونها لم تترك الكثير من الآثار في ذاكرة الجزائريين، باعتبارهم كانوا «مواطنين فرنسيين»، ذلك أن أحداثها مرّت بسرعة مذهلة. وكان سكان مدينة الجزائر، التي يصفها البعض أنها كانت «عاصمة فرنسا في زمن الحرب»، كما يشير المؤلف، قد حضروا من موقع المتفرّجين، عملية الإنزال البحري للحلفاء.
ويشرح المؤلف أنه بعد معركة الجزائر «ابتعد البحر المتوسط عن مسرح العمليات العسكرية». ذلك أن الهدف الأساسي غدا العمل على تحرير مناطق شرق فرنسا، لتصبح معركة إيطاليا في مرتبة ثانية من الأهمية. ويبين في هذا السياق، أن الأميركيين كانوا قد أخذوا دفّة قيادة جيوش الحلفاء. وكان قادة الجيوش الأميركية يريدون فتح الجبهة الغربية من فرنسا ـ عملية الإنزال البحري في منطقة النورماندي-.
وفي القسم الأخير من الكتاب تتركز التحليلات على شرح حقيقة أن الأساطيل البحرية، بسفنها وغواصاتها التابعة للحلفاء، لعبت دورا أساسيا في الانتصار على قوى المحور، ممثلة بإيطاليا خاصّة، باعتبارها القوة البحرية الرئيسية في ذلك المحور. لكن جان بيسون يؤكّد أن سلاحا آخر لم يكن أقل فاعلية وتأثيرا، ويحدده بـ «حرب الأعصاب». وهكذا يصف البريطانيين أنهم أساتذة في فن خداع العدو والتضليل الإعلامي.
المؤلف في سطور
جان بيسون. باحث جغرافي فرنسي وأستاذ جامعي. متخصص في العالم المتوسطي، حيث كان قد أولى اهتمامه مبكّرا، للاستراتيجيات التي عرفتها هذه المنطقة من العالم. ومن هنا أيضا يأتي اهتمامه بالعمليات العسكرية التي عرفتها منطقة حوض المتوسط خلال الحرب العالمية الثانية.
الكتاب: البحر الأبيض المتوسط في الحرب «العالمية الثانية».
تأليف: جان بيسون
الناشر: لارماتان- باريس- 2013
الصفحات: 486 صفحة
القطع: المتوسط
La méditerranée dans la guerre
Jean Bisson
LصHarmattan - Paris- 2013
486 pp
