أرسل الطبيب النفساني الأميركي الشاب، دوغلاس كيللي، في عام 1946، للإشراف على الحالة الصحية «النفسية» لقادة النظام النازي، والسهر على أن يكونوا قابلين للمثول أمام القضاة. ومن بينهم: هيس وروبنتروب وستريشر. وكان من أشهر هؤلاء أحد رموز ذلك النظام : هيرمان غورينغ، السجين، إذ كان ينتظر محاكمته مع بقية القادة النازيين الذين لم يلقوا حتفهم، قتلا أو انتحارا، في نهاية الحرب العالمية الثانية.

ونشأت بين هيرمان غورينغ ودوغلاس كيللي، علاقة وثيقة، بل ونوع من الصداقة. تلك العلاقة هي موضوع كتاب الصحافي الأميركي جاك الهاي، الذي يحمل عنوان « النازي والطبيب النفساني» . ويبين أنه كان الاثنان قد عرفا النهاية نفسها، حيث وضعا حدا لحياتهما.

الضابط النازي غورينغ صدر بحقّه حكم بالموت لاقترافه «جرائم ضد الإنسانية»، وانتحر قبل ساعات من تنفيذ الحكم به. والطبيب النفساني الأميركي مات منتحرا أيضا بعد 12 سنة من غورينغ. إذ ابتلع كمية كبيرة من مادة «السيانور» القاتلة.

يشرح المؤلف أنه كان عدد القادة النازيين الذين ينتظرون المحاكمة في سجن نورنبيرغ، 22 شخصا، تتراوح أعمارهم بين 38 و72 سنة. ويصف مؤلف الكتاب، أن أولئك القادة النازيين كانوا يعيشون مرارة الهزيمة في سجنهم، حيث كانت زيارة الطبيب النفساني لهم بمثابة مناسبة للخروج من حالة الصمت التي كانوا يعيشونها في معتقلهم. وكان كل منهم يعاني حالة نفسية مشوشة. إذ اختلفت مظاهر ذلك وشكّلوا بالمحصّلة، «حالات استثنائية» للبحث بالنسبة للطبيب النفساني الشاب.

يؤكد جاك الهاي، أن الطبيب النفساني أدى الدور المطلوب منه حيال القادة النازيين، ذلك بهدف ان يحافظوا على قدراتهم العقلية من أجل شهادتهم أمام المحكمة وأمام التاريخ. لكن كان اهتمامه أكبر حيال المارشال هيرمان غورينغ.

وينقل المؤلف عن كيللي ما جاء فيه عن استقبال غورينغ له في زنزانته، ما مفاده:« عندما كنت أصل إلى زيارته بعد جولتي على الآخرين، كان يقفز عن كرسيه ويستقبلني بابتسامة عريضة وهو يمدّ لي يده . ثم كان يواكبني حتى سريره الصغير قائلا: صباح الخير دكتور. أنا سعيد بمجيئك لرؤيتي . اجلس أرجوك دكتور، اجلس هنا على السرير».

وفي كل الحالات، يوضح المؤلف بأشكال مختلفة، أن الخطوات كانت مدروسة من الطرفين. فكيللي حرص أوّلا على اكتساب ثقة أولئك الذين كان مكلّفا بالسهر على صحّتهم النفسية . ومن ثم نجح في الحصول على تلك الثقة. وانطلاقا من ذلك، أخضعهم لجلسات طويلة كان الهدف الحقيقي منها، أن يختبر بالدقّة إذا كان أولئك المجرمون الذين فاقت شراستهم وقابليتهم للقتل كل التصورات، هم ذوو عقول مريضة أو أنهم بشر عاديون.

واستمرّت فترة الرقابة النفسية من قبل كيللي في مقر اعتقال القادة النازيين، خمسة اشهر جمع فيها الطبيب كمّا كبيرا من المعلومات ودوّن الكثير من الملاحظات والتقارير و«اليوميات». وهذه كلّها كانت المادة التي اطّلع عليها المؤلف في الارشيف الشخصي لكيللي، المحفوظ من قبل عائلته. ذلك بالإضافة إلى العديد من الشهادات واللقاءات التي أجراها مع أناس كانت لهم صلة بالموضوع.

يشير المؤلف في محصّلة دراسته لطبيعة العلاقة، بين القائد النازي السجين هيرمان غورينغ والطبيب النفساني الأميركي دوغلاس كيللي، إلى أن الطبيب أقام خلال الأشهر الطويلة التي أمضاها في مهمته بسجن نورنبيرغ «علاقة علاجية» استثنائية مع أحد الذين كانوا من بين الأكثر قربا من هتلر، مبينا أن كيللي كان يقرّ بامتلاك غورينغ «درجة عالية من الذكاء». ذلك على قاعدة نوع من الثقة والفضول المتبادل والانجذاب الفكري بين الرجلين.

المؤلف في سطور

 جاك الهاي. صحافي أميركي، خريج جامعة كارلنتون . كان لفترة من الزمن، رئيس الجمعية الأميركية للصحافيين والناشرين. ساهم بالكتابة في عدد من الصحف والدوريات، في عدادها: «واشنطن بوست ماغازين» و« اتلانتيك مونتلي». كرّس القسم الأكبر من مؤلفاته لتاريخ الطب والعلوم. وخصص أحد كتبه لسيرة حياة الدكتور والتر فريمان، الذي أراد «تخليص العالم من المرض العقلي».

 

الكتاب: النازي والطبيب النفساني

تأليف: جاك الهاي

الناشر: بوبليك افيرز- نيويورك 2013

الصفحات: 403 صفحات

القطع: المتوسط

 

 

The Nazi and the psychiatrist

Jack El-Hai

PublicAffairs ذ New York ذ 2013

403 pp.