هناك علاقة عاطفية بالأمكنة التي يعيش فيها الإنسان. ويعبر عن هذه المشاعر، حسب رأي المهتمين بالتحليل النفسي، بنوع من الأسف حيال زمن غابر أو أمكنة اندثرت أو غدت بعيدة عن متناول النظر واللقاء. أمّا السببان الجوهريان لعيش مثل تلك المشاعر فهما الابتعاد الجغرافي أو الشيخوخة التي تمثّل ابتعادا في الزمن، وحيث يتعاظم الحنين إلى الطفولة. والأمر يغدو أكثر إلحاحا وضغطا في حالة الاغتراب .

والباحثة الفرنسية في مجالي الفلسفة وفقه اللغة، والحائزة عــــــام 2012 على الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية "بربارا كاسان"، تكرّس كتابا لهذا الحنين، تدرس فيه أسرار العلاقة بالأمكنة وبالماضي وبين الوطن والمنفى. يحمل الكتاب عنوان "الحنين "، تحاول فيه الإجابة عن السؤال الذي اختارته عنوانا فرعيا لعملها، وهو: "متى يكون المرء في منزله؟".

تنطلق المؤلفة من اعترافها بأنها تحب أن تعود باستمرار إلى جزيرة كورسيكا، حيث تملك منزلا. ولكنها لا تمتلك جذورا. وتكتب :" ليس لي جدود في هذه الجزيرة .. ولم يكن مولدي فيها، ولم أعش فيها سنوات طفولتي وشبابي.. لكنني أحس فيها أنني في منزلي". وهذا الإحساس يعطي معنى أعمق لمفهوم الانتماء، كما تشرح المؤلفة. وتضيف، ان الجميع يعرفون ما تعني مسألة العودة إلى الأماكن التي يحس الأفراد فيها بالأمان.

تشير المؤلفة إلى أنها تشعر في كل مرّة ترجع فيها إلى كورسيكا، بموجة من الحنين تشدّها إلى ذلك المكان. وترى أن "الجزيرة تعبر عن واقع ملموس. وكل جزيرة تمثل واقعا محددا. ويمكن رؤية حدودها بوضوح من سفينة في البحر أو طائرة في الفضاء. وبالنظر نحو البعيد من جزيرة يبدو الأفق البحري منحنيا.. والأمر نفسه عند غروب الشمس. إذ يوحي الأفق أن الأرض مستديرة، وبالتالي تغدو العودة إلى المكان نفسه أمرا محتوما.

ترى المؤلفة، عبر علاقتها مع جزيرة كورسيكا، في أية جزيرة "مكانا متميّزا" للعلاقة بين الداخل، ككيان وهوية، وبين الخارج الذي يمثله الأفق الواسع المفتوح لامتداد لا ينتهي من المياه المترامية. إنها مكان بامتياز، ومكان متفرّد من حيث انه دعوة مستمرّة للرحيل والخروج من المساحة الضيّقة. لكنها بالوقت ذاته، دعوة مستمرّة للعودة. وتذكّر المؤلفة تلك العودة بعودة أوليس في "أوديسة هوميروس".

وهو يعود نحو الأرض التي انطلق منها ذات يوم، وترك وراءه المرأة التي أحبته : بينلوبي التي أمضت أيامها، طيلة فترة غيابه، في انتظاره. ولكن تعبير الحنين لم يجد مكانه أبدا في الأوديسة، كما تشير المؤلفة، لتدلّ أنه لم يظهر سوى في القرن السابع عشر.

وكان يعني عند ظهوره سياقا محددا تماما : "الإحساس بالشوق إلى الوطن". وكان المعنيون بذلك الحنين هم الجنود والمرتزقة السويسريون الذين انخرطوا في جيش الملك لويس الرابع عشر. بهذا المعنى تلفت المؤلفة الى أن فكرة الحنين حديثة العهد في أوروبا.

 المؤلفة في سطور

 بربارا كاسان. باحثة فرنسية في مجالي الفلسفة وفقه اللغة. وهي مديرة للأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي . متخصصة في الفلسفة اليونانية وبشكل خاص في البلاغة. كانت قد ترجمت أعمال حنّه ارنت للغة الفرنسية. وحصلت عام 2012، على الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية عن مجموع الأعمال التي قدّمتها. أشرفت على إنجاز "قاموس من لا يمكن ترجمتهم" عن الفلاسفة الأوروبيين .

الكتاب: الحنين.. متى يكون المرء في منزله؟

تأليف: بربارا كاسان

الناشر: اوترومون- باريس- 2014

الصفحات: 147 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

La nostalgie

Barbara Cassin

Autrement - Paris - 2014

147 pp.