كيف يمكن لبلاد في طور التنمية، وتمتلك مؤسسات ذات طبيعة ديمقراطية، وذات غالبية سكانية ساحقة من المسلمين، مثل اندونيسيا، أن تواجه معضلات السياسة الخارجية في حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة، ومن دون أن تتراجع عن أي شيء في ما يخص سيادتها واستقلالها الوطني؟

هذا هو السؤال الذي يحاول أن يجيب عنه الباحث في الشؤون الآسيوية، والأستاذ الذي مارس التدريس في عدد من الجامعات، دانييل نوفوتني، في كتابه الذي يحمل عنوان : « التمزّق بين أميركا والصين»، الذي صدرت طبعته الأولى في نهاية عام 2010 وتصدر طبعته الجديدة، بعد إعادة النظر فيها على ضوء المستجدات العالمية والإقليمية، في مطلع هذا العام 2014 .

يناقش المؤلف في الكتاب «مفاهيم النخب الأندونيسية ورؤيتها للسياسة الخارجية »، كما يشير العنوان الفرعي. وتتوزع مواد الكتاب، بين ثلاثة أقسام رئيسية، يضمّ الأول منها لمحة تاريخية مع نقاش، حول الطريقة التي تتخذ على أساسها القرارات في اندونيسيا، على صعيد السياسة الخارجية.

والقسم الثاني في الكتاب، مكرّس لما تعده النخب الأندونيسية، بمثابة تهديدات مصدرها القوتان الكبيرتان المتمثلتان في الولايات المتحدة الأميركية والصين. أمّا القسم الثالث والأخير من الكتاب، فموضوعه أنماط صياغة السياسة الأندونيسية حيال القوى الإقليمية المصنّفة في خانة «القوى المتوسطة»، مثل: استراليا واليابان والهند ومجموعة دول جنوب شرق اىسيا، كسنغافورة وماليزيا.

وتخصص الصفحات الختامية في هذا العمل لتحليل «اشكال التهديد» قصيرة الأمد، وتلك التي تلوح في الأفق البعيد، ويمكن أن تواجهها اندونيسيا من مختلف المصادر . وهذا إلى جانب التعرّض للدور الذي يمكن، وينبغي على النخب الأندونيسية أن تلعبه في مجال تحديد الخطوط العريضة التي تأطّر السياسة الخارجية للقوّة الأندونيسية الصاعدة. وفي المحصّلة، يقدّم المؤلف شرحا «نظريا بالدرجة الأولى»، للآليات التي تحكم السياسة الخارجية الأندونيسية.

المادّة الأساسية التي يعتمد عليها المؤلف في شرحه لمفاهيم النخب الأندونيسية في ميدان السياسة الخارجية، واحتمالات نهجها المستقبلي، تتمثل خاصّة في سلسلة اللقاءات التي اجراها مع شخصيات أندونيسية عديدة. ويخلص المؤلف إلى القول ان الاندونيسيين يرون عامّة، أن مصادر التهديد الأساسية التي يمكن لبلادهم أن تواجهها، مصدرها الولايات المتحدة والصين .

لكن هاتين القوتين الكبيرتين لا تمثلان بالنسبة لهم ،أي للأندونيسيين، مصدر تهديد فقط، بل أيضا مصدر «فرص» تعاون واستثمار يمكن لأندونيسيا أن توظّفها في تنميتها الاقتصادية، وفي تعزيز دورها على مسرح العلاقات الدولية. ويلفت المؤلف، وفي كل الحالات، الى أنه تعود استمرارية السياسة الخارجية الاندونيسية أو قطيعتها مع مختلف البلدان، إلى تبدّل العلاقات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة. كما تعود إلى التوجّه الديمقراطي الذي عرفته اندونيسيا اعتبارا من عام 1998.

المؤلف في سطور

 دانييل نوفوتني، دكتور في العلاقات الدولية من جامعة سيدني الأسترالية. ومدير القسم الأوروبي وباحث في جامعة موناتش في ليبورن. مارس مهنة التدريس في معاهد وجامعات في سنغافورة وأستراليا «جامعة سيدني»، وبراغ «الجامعة الأميركية ـ البريطانية».

 الكتاب: التمزّق بين أميركا والصين.. مفاهيم النخب والساسة الخارجية لأندونيسيا

تأليف: دانييل نوفوتني

الناشر: معهد دراسات جنوب آسيا - سنغافورة 2014

الصفحات: 473 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Torn between America and china

Daniel Novotny

Institute of Southeast Asian Studies ذ Singapour ذ 2014

473 pp.