يعيش العالم عصر الثورة الرقمية وما أنتجته من تكنولوجيات في محتلف ميادين الحياة والنشاطات والمشارب. لكنه غدا محاطاً بـ"لغة الأرقام" والإحصاءات والمعطيات الرقمية، التي توفرها "بنوك" المعلومات .

هذا العالم المأخوذ بالكمّ هو بالتحديد موضوع المتخصصين البريطانيين في اقتصاد المعلوماتية: فكتور مايير ـ شونبرغير وكينيت كوكير، الذي يحمل عنوان " البيانات الضخمة ـ بيغ داتا "، ويبحثان فيه كيفية إسهام ثورة المعلوماتية في تغيير حياة البشر وعملهم وطريقة تفكيرهم، كما يدل العنوان الفرعي للكتاب.

المواضيع الأساسية التي يتعرّض لها المؤلفان، تتعلّق خاصّة بالإحصاءات التي غزت جميع الميادين، من نسبة البطالة في هذا البلد أو ذاك وحتى معدّلات النمو الاقتصادي السنوي فيها. وكذلك استطلاعات الرأي العام حول شتى المواضيع،.

لا يقتصر المؤلفان على طرح الدور الذي غدت الأرقام تلعبه في المجتمعات الحديثة، ولكنهما يناقشان مدى المصداقية التي تمثّلها تلك الإحصاءات واستطلاعات الرأي .

ويشير المؤلفان الى أن الإحصاءات ترمي في أغلب الأحيان إلى تأكيد ما كان قد جرى التعبير عنه بالكلام. بهذا المعنى، يمكن للأرقام أن تصوغ نوعا من الحقائق الاجتماعية في مسائل عديدة، منها مثلا: مؤشرات عن نسبة البطالة والفقر والثروة ومستويات المعيشة .

 ومن خلال المقارنات، يمكن للسلطات العامّة أن توظّف الإحصاءات في الاتجاه الذي تريده. لكن ما يؤكّد عليه المؤلفان، من جهة اخرى، هو أن عملية "التعبير الإحصائي، الرقمي"، او ما يطلق عليه تسمية " الإخراج بواسطة معطيات"، أصبحت بعيدة أكثر فأكثر عن سيطرة السلطات العامّة الممثلة للدولة. وكذلك عن الإدارات والمصالح العامّة المكلّفة بها تقليديا.

ومن الأرقام التي يسوقها المؤلفان في كتابهما، قولهما إن " كتلة المعلومات المتوافرة حاليا تحت تصرف البشرية، تبلغ ما يعادل 1200 اكساوكتيل (مليارات المليارات من الأوكتيل) حسب القاموس المعلوماتي. والإشارة أن مثل هذا "التضخّم في المعلومات حديث العهد نسبيا". ذلك أنه في عام 2000 كان ربع المعلومات في العالم، موجودا بصيغة رقمية. أمّا "في عام 2013 فإن المعلوماتية تمثل أكثر من 98 بالمائة من مجموع المعلومات المتوافرة".

يشرح المؤلفان أن "الآثار التي يتركها مستخدمو شبكات الانترنت" على الشبكة يمكن أن تكون مادّة هامّة بالنسبة لـ "الذين يعرفون قراءتها". ذلك أنهم يخرجون منها بمؤشرات تتمتع بقدر كبير من المصداقية، عن أنماط سلوك مستخدميها وتوجهات آرائهم وذوقهم حيال ما يحبون وما يكرهون وحالتهم الصحيّة.

بهذا المعنى يرى المؤلفان أن "معنى ومضمون المعرفة القائمة على الأرقام" قد تعرّضا لهزّة حقيقية. ذلك أنه "بسبب ضخامة المعطيات المتوافرة ينبغي فتح نقاشات جديدة حول طبيعة اتخاذ القرارات .. كانت المعرفة تعني حتى الان، فهم الماضي، وسيكون من المطلوب في أن تعني المعرفة في المستقبل القريب أن نكون جديرين باستقراء المستقبل".

مثل هذه القراءة "للمستقبل" هي التي جعلت شركة مثل "امازون" للبيع عبر شبكة الانترنت تفكّر بإرسال بعض الكتب إلى زبائنها "قبل أن يطلبونها ". فما تبحث عنه هو بالتحديد: "تحسين فعاليتها" بالاعتماد على الكم الكبير من البيانات والمعطيات التي تمتلكها، عن ميول البشر في طبيعة مشترياتهم. وفي الإطار ذاته، يمكن لـ"البيانات الضخمة" التي توفرها شبكة المعلوماتية أن "تستقرئ" المسار التطوري للأسواق إذا استخدمت المعطيات المتوافرة. والإشارة أن ذلك ما كان قد توصّل إليه مهندسون في اجتماع لهم . لكنهم لم يذهبوا إلى الشروع فعليا باستخدام تلك المعطيات، إذ اعتبروا أن ذلك ربما "لا يكون مشروعا" من وجهة نظر قانونية.

المؤلفان في سطور

 يعمل فكتور مايير ـ شونبيرغير، أستاذا للمعلوماتية في جامعة أكسفورد. وهو عضو اللجان الاستشارية في مجموعة "ميكروسوفت"، وفي المنتدى الاقتصادي العالمي. كما انه صاحب كتاب "فضيلة النسيان في العصر الرقمي".

وكينيت كوكير. صحافي مكلّف بتقصّي مسار ثورة المعطيات والبيانات الرقمية، في مجلّة "ايكونوميست".

 الكتاب: البيانات الضخمة "بيغ داتا"

تأليف: فكتور مايير ـ شونبيرغير وكينيت كوكير

الناشر: ايمون دولان/ هوغتون ميفلين هيركورت- لندن 2013

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

 

Big Data

Viktor Mayer ذ schonberger , Menneth Cumier

Eamon Dolan and Houghton Mifflin Harcourt

London ذ 2013

256 pp.