لم يعد الاهتمام بكرة القدم على صعيد العالم، مقصورا على الرياضيين وروّاد الملاعب، لكن جذب أيضا رجال الفكر والاستراتيجيات والفلسفة. هكذا يقدّم الفيلسوف الفرنسي جان كلود ميشيا، كتابا تحت عنوان "أجمل هدف كان تمرير الكرة " من لاعب إلى آخر.

هذا العنوان مأخوذ في الواقع من إجابة، كان لاعب كرة القدم الفرنسي الشهير، اريك كانتونا قد قالها جوابا عن سؤال وجهه إليه أحد الصحافيين في عام 2009 وجاء فيه ما مفاده: ما هو، بالنسبة لك، أجمل هدف سجّلته في حياتك المهنية كلاعب كرة قدم؟. فأجاب : أجمل هدف سجّلته كان "تمرير الكرة".

الملاحظة الأولى التي يشير اليها جان كلود ميشيا، مفادها أن كرة القدم غدت من المواضيع التي تجذب اهتمام النخب في جميع المشارب، بينما كان الاهتمام فيها، حتى فترة قريبة، يثير الخجل. ويبين انه كان مفكرو اليسار خاصّة، ينظرون إلى كرة القدم بقدر أكبر من الازدراء، على أساس أنها ترمي إلى "تسلية الشرائح الشعبية". وتبعدها بذلك عن وعي ودراسة مسبقة عن الاهتمام بأوضاعها الاجتماعية، وعن الصراع الطبقي وواقع استغلالها من قبل الطبقات العليا. من هنا كان أحد التوصيفات التي أطلقها "المفكرون اليساريون"، على كرة القدم: "أفيون الشعوب".

مثل تلك الصورة تغيّرت. ويحدد ميشيا القول ان أحد المنعطفات الأساسية التي ساهمت في تغيير النظرة إلى كرة القدم في فرنسا كان، أي المنعطف، عام 1998 عندما فاز الفريق الوطني الفرنسي، بكأس العالم لبطولة العالم في تلك اللعبة التي أُقيمت تلك السنة في فرنسا. فيومها تحوّل الازدراء إلى احترام. وغدا رجال السياسة والفكر والنساء يوجدون على مدرّجات مشجّعي الفرق الرياضية التي يدعمونها.

يؤرخ المؤلف أيضا لمسار كرة القدم، منذ أن أسسها وحدد قواعدها " نخبة من الارستقراطيين الإنجليز" في القرن التاسع عشر . لكن سرعان ما تبنّتها "الشرائح العمّالية " في نهاية القرن عينه، لتجعل منها رياضة جماهيرية بامتياز، بل غدت بمثابة "عقيدة" لديها، كما ينقل المؤلف عن المؤرّخ البريطاني الشهير اريك هوبسباوم .

ومع تبنّي رياضة كرة القدم من قبل الشرائح الشعبية تحوّلت مراكز اهتمام اللعبة، تبعا للطبيعة الاجتماعية. وذلك ما يجده المؤلف في إعطاء الأولوية والأهمية المركزية لـ"تمرير الكرة من لاعب إلى آخر"، بدلا من اعتمادها في البداية ـ خلال الحقبة الارستقراطية ـ،على الإنجازات الفردية وفن المراوغة في اللعب.

وفي المفهوم الجديد، غدت التمريرة بمثابة "حجر الرحى في اللعب". ويحدد ميشيا القول ان العصر الذهبي لـ "حقبة التمريرة" كان في مطلع سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، مع الفريق النمساوي لكرة القدم الذي مارس مفهوم كرة القدم الكاملة.

 المؤلف في سطور

 جان كلود ميشيا. فيلسوف فرنسي. عمل أستاذا للفلسفة في الجامعات الفرنسية لسنوات عديدة، قبل أن يتفرّغ للكتابة. وهو أحد المتخصصين الفرنسيين المعروفين، في إنتاج الكاتب البريطاني جورج اورويل. بدأ حياته العامّة كمناضل، منذ سنوات شبابه الأولى، في صفوف اليسار الفرنسي. ثم تحوّل إلى نقد هذا المعسكر بسبب آرائه الجامدة حول مفهوم "التقدّم". من مؤلفاته : التفكير المزدوج.

 الكتاب: أجمل هدف كان تمرير الكرة

تأليف: جان كلود ميشيا

الناشر: فلاماريون - باريس- 2014

الصفحات: 1160 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Le plus beau but était une passe

Jean Claude Michea

Flammarion - Paris- 2014

160 pp