بمناسبة الذكرى الخمسين لاغتيال الرئيس الأميركي الأسبق، جون فيتزجيرالد كينيدي، وحيث ساد الاعتقاد لدى الكثيرين أنه غدا في زوايا النسيان وربما لم يعد هناك ما يقال عنه، لم يمنع ذلك واقع أن رفوف المكتبات الأميركية، شهدت عددا كبيرا من الكتب الجديدة عن الرئيس، وعن فترته الرئاسية.
من بين تلك الكتب عمل للمؤرّخ الأميركي، مارتن ساندلير، بعنوان " رسائل جون كينيدي". واستقى المؤلف ـ المؤرّخ مادّته، من ما يزيد عن مليوني مراسلة أرسلها البيت الأبيض أو تلقاها خلال الفترة الرئاسية القصيرة للرئيس كينيدي، التي لم تتجاوز الألف يوم، وهي محفوظة في المكتبة التي تحمل اسم "مكتبة ومتحف كينيدي" في مدينة بوسطن.
ويشير المؤلف منذ البداية أيضا، إلى أن الرئيس كينيدي كتب رسائله بكثير من الدقة اللغوية والأسلوب الجميل الذي يفتقر إليه الكثير من السياسيين حاليا. ومن ما يشير إليه المؤلف، أن كينيدي ألمح مرات عديدة في رسائله، أنه كان يأمل عندما كان شابا، أن يصبح صحافيا أو أستاذا جامعيا، وفي كل الحالات، كانت الكتابة "مجبولة في كينونته ". ولم يكن بعيدا عن امتلاك "موهبة الكاتب".
الرسائل التي اختارها المؤلف وعلّق عليها وقدم السياق التاريخي او الشخصي لكتابها، كانت موجّهة إلى شخصيات من مختلف الأوساط والأعمار. إذ فيها بعض الرسائل وجهها كينيدي الى الأطفال للحديث عن "بابا نويل" .
ورسائل متبادلة أيضا، مع الزعيم الروسي في مطلع ستينيات القرن الماضي، نيكيتا خروشوف. وأيضا: الممثلة جوزفين بيكير والسيدة اليانور روزفت( زوجة الرئيس روزفلت)التي لم تأخذه في البداية على محمل الجدّ وأشارت له في إحدى رسائلها أن يبدي "قدرا أقل من الظهور وقدرا أكبر من الشجاعة" ورفضت دعم ترشّحه للرئاسة. وهناك رسالة مع الزعيم، مارتن لوثر كينغ الذي كان محاوره الرئيسي حول المسائل المتعلّقة بالحقوق المدنية للسود. كذلك، المفكّر برتران روسيل. ومجموعة مواطنين أميركيين مغمورين وطلبة مدارس وغيرهم . ومن دون نسيان رسائله المتبادلة مع عدد من النساء الشهيرات والأقل شهرة.
الرسائل المختارة، تلقي أضواء جديدة على عدد من الملفات المطروحة في تلك الحقبة، التي أولاها الرئيس كينيدي اهتماما خاصّا. وعلى رأسها ملف "الحقوق المدنية"، التي كان قد تبادل حولها الكثير من المراسلات، خاصّة مع مارتن لوثر كينغ؛ وملف "الحرب الباردة" التي تعرّض لها كثيرا في مراسلاته مع مع نيكيتا خروشوف.
ويرى المؤلف، أن الجانب الأكثر أهمية في تلك الرسائل، أنها تكشف عن بعض الجوانب غير المعروفة، أو التي كانت مجهولة إلى حد كبير، في شخصية الرئيس كينيدي. ومن تلك الصفات قدرته الكبيرة على التحليل والتفكير بالمسائل الإستراتيجية المتعلّقة بالحرب، كما يبدو من رسائله التي كتبها خلال ما عُرف بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما أرغم السوفييت على فك الصواريخ التي كانوا قد نصبوها في شبه الجزيرة الكوبية.
ينقل المؤلف من الرسائل المتبادلة، أنه أمام ذلك الوضع الذي بدا العالم فيه على حافة "مواجهة نووية مدمّرة". ثم انتهى الأمر بقبول السوفييت سحب صواريخهم التي كانت منصوبة قبالة ولاية فلوريدا. ويرى المؤلف أن الرئيس كينيدي كان أحد الرؤساء الأميركيين الأكثر ثقافة وشجاعة. ومن النتائج التي يخرج بها من رسائل كينيدي المتبادلة مع أصحاب القرار العالميين.
كما مع الشخصيات المؤثّرة في الولايات المتحدة وفي غيرها من بلدان العالم، أنه عرف كيف يقود بلاده بعيدا عن الحرب النووية التي لم تكن بعيدة عنها في واقع الأمر . ونتيجة أساسية أخرى هو أنه أطلق سياسة "منع التجارب النووية".
ولم يكن بعيدا عن دفع أميركا لـ ولوج عالم الفضاء باتجاه اكتشاف أسرار كوكب القمر، بل إلى ما هو أبعد من ذلك. والإشارة أنه لعب دور الملهم بالنسبة للأمة الأميركية، وساهم كثيرا في إحياء الاعتقاد من جديد، بمصداقية "الحلم الأميركي" في فترة كانت الولايات المتحدة بحاجة كبيرة لذلك.
المؤلف في سطور
مارتن ساندلر. مؤرّخ أميركي. سمي مرّتين للحصول على جائزة بوليتزر للتاريخ. قدّم حوالي ثمانين كتابا. وكتب عددا من المسلسلات التاريخية للتلفزيون. سبق له أن درّس مادة التاريخ في جامعة ماساتشوستا . من مؤلفاته:حكايات لا تنسى نسيها التاريخ.
الكتاب: رسائل جون ف. كينيدي
تأليف: مارتن دبليو ساندلير
الناشر: بلومسبيري - نيويورك- 2013
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
The letters of John F. Kennedy
Martn W. Sandler
Bloomsbyry ذ New York - 2013
384 pp.
