تواجه مسيرة التوحيد الأوروبي، كما تجسّدت في الاتحاد الأوروبي الذي يضم الآن 27 دولة، العديد من التساؤلات والانتقادات في المرحلة التي تسبق الانتخابات الأوروبية. وإذا كان الكثير من النقاشات يركز على الوضع الاقتصادي المأزوم في أوروبا، فإن العديد من الأصوات تركّز على ما تعتبره "عيبا سياسيا متأصّلا "، وهو أنه، وباسم "التعصّب" لأوروبا الموحّدة، يحدث الرفض المطلق لأي تعبير له علاقة بمفاهيم السيادة الشعبية.

الاقتصادي الفرنسي فريدريك لوردون، مؤلف العديد من الكتب، يكرّس عمله الأخير لبحث الواقع الأوروبي "المتعثّر "، الذي يعاني من "عيب في الصنعة"، كما يقول عنوانه الرئيسي، على ضوء العلاقة بين "العملة الأوروبية الموحّدة والسيادة الشعبية، الديمقراطية "، مثل ما جاء في عنوانه الفرعي.

يحدد المؤلف القول، منذ البداية، إن "نزعة التعصّب الأوروبي" التي ترفض أي نقاش (نقدي )، للواقع الأوروبي القائم أو للعملة الأوروبية الموحّدة، باسم المبادئ، غدت حالاي، بمثابة "العدو الأكبر "لأوروبا الموحّدة. يشير المؤلف أن كثيرين في معسكر اليسار في فرنسا، لا يزالون يعتقدون أنه يمكن للعملة الأوروبية الموحّدة "اليورو"، أن تلعب دورا في تعزيز مسيرة التوحيد الأوروبي، عبر تبديل "وظيفتها"، بحيث تلعب دور "عملة اجتماعية" تصب في مصلحة عموم الأوروبيين، في كل بلدان الاتحاد، وليس عملة تبحث فقط عن "خدمة الاقتصادات القوية"، خاصّة الاقتصاد الألماني.

كما يرى المؤلف، أن اليورو "يخضع تماما"، مثله في ذلك مثل أوروبا الموحّدة بصيغتها القائمة، لإرادة ألمانيا ولسياساتها ولمصالحها . بالتالي، يتطلّب أي تحوّل في وظيفة العملة الأوروبية الموحّدة، حسب التحليلات المقدمة، قيام "توحيد سياسي حقيقي" يتساوى فيه الجميع.

ولا يتردد لوردون في القول إن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، الضاغطة والملحّة، في غالبية بلدان الاتحاد الأوروبي، تتطلّب أن توضع على طاولة البحث الخيارات المتعلّقة بالعودة إلى العملات الوطنية . والمؤلف يضع شرطين لا بدّ منهما برأيه، في أفق أية عودة ممكنة إلى تلك العملات. أولهما: إعادة بناء مفاهيم السيادة والأمّة، بحيث لا يكون المستفيد منها اليمين المتطرّف "الصاعد". والثاني: إعادة التأكيد أن الانتهاء من العملة الأوروبية الموحّدة ،اليورو، لا يستبعد أبدا الاستمرار في بذل الجهود التعميق الصارم للروابط الأخرى بين الشعوب الأوروبية .

ويقدم مؤلف الكتاب، عموما، بحثا، هو بمثابة نوع من "كسر الصمت" في الحديث عن إمكانية خروج فرنسا من منطقة اليورو. لكنه يبتعد كثيرا عن المقولات الشائعة التي يرددها كُثر، التي مفادها ان مثل ذلك الخروج "أمر يسير كلفته قليلة..سيجلب معه حلولا سحريّة تُخرج البلاد من المشكلات الاقتصادية التي وجدت نفسها فيها.. وفي المحصّلة، لن تترتب عليه نتائج خطيرة".

وما يؤكّده لوردون، ويشرحه على مدى صفحات الكتاب، أن الخروج من منطقة اليورو سيكون صعبا ومعقّدا، ونتائجه لا يستهان بها. ويرى أن المشكلة بجوهرها، ذات طبيعة سياسية، ذلك أن المعاهدات التأسيسية التي قام عليها اليورو، جعلت الشعوب المعنية به بعيدة عن إمكانية أية إعادة نظر في أية سياسة اقتصادية مع أنها هي المعنيّة ومستقبلها هو الرهان الحقيقي.

وهكذا : "السياسة قبل الاقتصاد"، كما يردد المؤلف بأشكال مختلفة. ذلك على أساس أن الرهان الكبير للخروج من منطقة اليورو لا ينضوي في إطار إستراتيجية اقتصادية، ولكن بالأحرى في إطار مشروع سياسي يعيد ترميم مفهوم السيادة الشعبية.

 المؤلف في سطور

 فريدريك لوردون. اقتصادي فرنسي. مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي . وأحد المحررين الاقتصاديين في مجلّة "لوموند ديبلوماتيك" الشهرية، التي تصدر عن مؤسسة صحيفة لوموند الفرنسية اليومية.من مؤلفاته : الرأسمالية ورغبة الاستعباد .

 الكتاب: عيب في الصنعة.. العملة الأوروبية والسيادة الشعبية

تأليف: فريدريك لوردون

الناشر: ليليان كي ليبير- باريس- 2014

الصفحات: 32 صفحة

القطع: المتوسط

 

Malfaçon

Frederic Lordon

Les Liens qui Libèrent - Paris - 2014

312 pp.