يتبادر مباشرة إلى الذهن، عند قراءة تعبير «رجال الظل»، أن المعني، أولئك الذين يعملون في الأجهزة الأمنية. لكن المؤرّخ والأستاذ الجامعي الفرنسي، فرانسوا دوس اختار هذا التعبير بالتحديد، عنواناً لكتابه الأخير. وقصد بـ «رجال الظل»: الذين يصنعون المشاهير في عالم الأدب، وغيره من المشارب العلمية والفكرية. ويظلّون هم أنفسهم، في «الظل».. إنه يقصد بهم هنا: «الناشرون».

التعريف العريض الذي يقدّمه المؤلف لهؤلاء الناشرين، أنهم وسطاء ثقافيون لديهم دورهم الفعّال، في العلاقة بين المؤلف والقارئ. لكن، رغم التأثير الذي يمارسونه على «الحياة الفكرية والأدبية» في بلدانهم، فإن الرأي العام لا يعرفهم إلا بدرجة متواضعة. وما يفعله فرانسوا دوس، تعريف القارئ بعدد من الناشرين الفرنسيين، وبالتحديد:

ثلاثة عشر ناشراً (12 رجلاً وامرأة واحدة). يوضح المؤلف، أن هؤلاء الناشرين بنوا «إمبراطوريات» في عالم النشر، ومنهم من تناقلوا «المهنة» أباً عن جدّ. ومنهم الذين بدؤوا مغامرة النشر منذ الصفر.. وأحياناً من موقف التحدي أو من باب الالتزام. وجميعهم عرف العديد من المواقف الدقيقة، بسبب ما نشروا أو ما رفضوا نشره. كما عاشوا أحياناً: لحظات غضب أو لحظات من الدبلوماسية.

يشير دوس إلى أن الناشرين الفرنسيين الذين يتعرّض لسيرة حياتهم ولمسيرتهم المهنية في عالم النشر، هم من بين «الأكثر شهرة». ومن جسّدوا، إلى درجة كبيرة، «العصر الذهبي» للنشر في بلد الثقافة المتميّزة، الذي تمثله فرنسا في تاريخها الحديث.

الناشرون الفرنسيون الثلاثة عشر الذين يوليهم المؤلف اهتمامه، تضم قائمتهم، أسماء حازت سمعة عالمية كبيرة، ليس أقلّها شهرة: كلود غاليمار وروبير لافون وفرانسوا ماسبيرو وكريستان بورجوا وجوزيه كورتي.. وغيرهم من الذين كانت لهم شهرتهم الكبيرة على الصعيد الفرنسي خاصّة، مثل: كلوك دوران - مؤسس دار نشر غاليمار، بول فلامان - مؤسس دار نشر سويل، رونيه جوليار، جيروم لندن، جان جاك بوفيه، موريس نادو، شارل اورينغو، فرانسواز فيرني.

واختار مؤلف الكتاب، تقديم الناشرين الثلاثة عشر، تبعاً للترتيب الأبجدي الفرنسي. وهكذا يتعرّض للحديث عن فرانسوا فيرني، الناشرة الوحيدة بينهم، في الفصل الأخير من الكتاب، مع تأكيده أنها تمتلك جميع الصفات المطلوبة لممارسة مثل هذه المهنة الاستثنائية، أي النشر. كذلك يبين أنها تمتلك حساً في إبرام الصفقات قريباً من «القرصنة»، بالإضافة إلى صرامة لا تهاون فيها. وكانت تنتقل في سبيل إنجاز عملها والدفاع عن مصالح دار نشرها، من اللطف المفرط إلى العدائية الشديدة البدائية، الأمر الذي جعل البعض يطلق عليها توصيف: النمرة.

يحتوي الكتاب عن الناشرين، «رجال الظل»، الكثير من الحكايات والنوادر. وهكذا نقرأ عن نمط الحياة، القريبة من «الزهد»، الذي سلكه ناشرون مثل موريس نادو وجيروم لندن وفرانسوا ماسبيرو وجوزيه كورتي، الذين ابتعدوا عن جميع مظاهر اللهو. وفي المقابل، نتعرف على نمط جان جاك بوفيه، الذي كان أوّل من نشر أعمال «الماركيز دو ساد».

وذهب على أثرها إلى المحكمة. ويبقى الناشر الأكثر جهلاً به بين الناشرين الذين يقدمهم فرانسوا دوس، هو شارل اورينغو، الذي كان بامتياز «رجل ظل» في عالم النشر بفرنسا. ولكن الناشر الذي كان له تأثير كبير في هذا العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

 المؤلف في سطور

 فرانسوا دوس. مؤرخ فرنسي. متخصص في تاريخ العلوم وتاريخ الأفكار. وهو أستاذ التاريخ في جامعة شرق باريس. كان قد حاز على شهادة الدكتوراه في التاريخ، عن أطروحة كرّسها لـ «مدرسة الحوليات»: أي المدرسة التاريخية الفرنسية الجديدة التي تأســـست في ثلاثينات القرن الماضي. من مؤلفاته: سيرة حياة ــ المؤرّخ ــ بيير نورا.

الكتاب: رجال الظل

تأليف: فرانسوا دوس

الناشر: بيرّان- باريس- 2014

الصفحات: 420 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Les hommes de lصombre

François Dosse

Perrin - Paris- 2014

420 pp