"الصراع على الحدود الأوروبية ـ الآسيوية ـ أوراسيا". عنوان الكتاب الأخير، للباحث الشهير الفريد ج. ريبير. ويناقش فيه، المسائل الخاصّة بـ"صعود الإمبراطوريات الحديثة الأولى، عند نهاية الحرب العالمية الأولى"، كما يقول العنوان الفرعي.
يشير المؤلف بداية، الى أن اهتمامه في قضية الحدود الفاصلة بين قارتي أوروبا وآسيا، المعروفة "اختصارا" بـ"أوراسيا"، بدأ بطرحه أسئلة على نفسه، خلال تدريسه مادة التاريخ في جامعة بنسلفانيا. وتلك كانت أسئلة، مثل: لماذا وجدت جذور الحروب: العالمية الأولى والعالمية الثانية والباردة، كلّها، في النزاعات على طول الحدود الممتدة مع روسيا الإمبريالية، القيصرية، ثم بعد ذلك، مع الاتحاد السوفييتي السابق؟
هل كان الأمر صدفة "جغرافية" تخفي وراءها أسبابا أخرى أكثر عمقا وتعقيدا؟ وهل صدفة أن التصدّعات الأولى في المعسكر الشيوعي بدأت في بولندا وتشيكوسلوفاكيا، قبل أن تنشب الأزمة داخل الاتحاد السوفييتي ثم تفككه؟
يتبنى المؤلف في بحثه عن إجابات لهذه الأسئلة كلّها في الكتاب، طريقة في التحليل، يصفها بـ"الجغرافية ـ الثقافية". وهو ينظر إلى الحدود في المنطقة التي يدرسها اوراسيا، على أنها لعبت دورا حاسما في نشوب تلك النزاعات، وبالتالي في صياغة تاريخ البلدان المعنية. ذلك بالإضافة إلى الدور الذي كان لتلك الحدود في نشوب النزاعات الدولية، كما في خلق الديناميات الداخلية في بلدان أوروبا الوسطى بمجملها.
ويعود المؤلف في هذا العمل، إلى تحليل الأسباب العميقة التي كمنت وراء الصراعات المديدة، التي دارت بين سلالة "هابسبورغ"، الذين سادوا على رأس الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية، وسلالة "رومانوف" في روسيا. إضافة إلى العثمانيين والفرس"الصفويين والقاجار" وإمبراطورية سلالة "قينغ" في الصين. ويركز المؤلف على "البعد الثقافي" في رهانات توسع الإمبراطوريات التي تنافست في "اوراسيا".
على أساس أن مثل ذلك البعد كانت له نتائجه المباشرة على المسائل المتعلّقة بالأمن في الإمبراطوريات المعنية، التي ضمّت عبر توسيع رقعتها، مجموعات متباينة ثقافيا، ودينيا في أكثر الأحيان، وكان لتلك المجموعات ولاءاتها المتنوّعة، على أسس لها علاقة بالمعتقد الديني أو بالانتماء القومي، وربما تبعا للمكون اللغوي.
يشرح المؤلف، أنه خلال القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، وصلت الإمبراطوريات الكبرى، من خلال سلسلة طويلة من الحروب، إلى اجتياح مناطق التخوم المحيطة بها، وضمّتها إلى أراضيها.
لكن ذلك لم يمنع استمرار النزاعات والتوترات في العديد من المناطق، مثل: أوكرانيا، التي تنازعت عليها روسيا وبولندا والإمبراطورية العثمانية. بينما عجز السكان المحليين عن إقامة دولتهم المستقلّة. لكن الأوكرانيين تابعوا مقاومتهم وانتفضوا مرات كثيرة. كما استفادوا أحيانا، من المنافسات "الإمبريالية" بين الإمبراطوريات المجاورة .
ويلفت المؤلف هنا، إلى الدعم الروسي لصربيا حيث كانت الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية في ظل سلالة "هابسبورغ"، تجري محاولات يائسة للتصدّي لظاهرة تعاظم المشاعر القومية المعادية لها في منطقة البلقان . ويؤكد المؤل، أن فهم المسار التاريخي لمسائل الحدود في أوراسيا، يساعد كثيرا في إدراك الرهانات الحالية الحسّاسة، في هذه المنطقة من العالم.
يخلص المؤلف إلى القول، ان مسائل الحدود بين أوروبا وآسيا في المنطقة التي يدلل عليها بتعبير "أوراسيا"، تتداخل فيها "السياسة مع التاريخ والثقافة وغموض الانتماء". وهذا التداخل يجعل من الصعب السيطرة على "المجال الجغرافي" الواسع، الذي مثّل أحد التحديات الكبرى أمام إمبرطوريات ما قبل الحرب العالمية الأولى. فتلك الإمبراطوريات انهارت واقعيا، بعد الهيمنة على مجالات جغرافية واسعة في جوارها ـ هذا ما يميّزها عن الإمبراطوريات الاستعمارية اللاحقة التي استعمرت بلـــدان بعيدة عنها جغرافيا ـ، خلال ما يزيد قليلا عن عقد واحد من الزمن، في ما بين الـــسنوات 1911 و1923 .
المؤلف في سطور
عمل الفريد ج. ريبير لمدّة ثلاثين سنة، أستاذا لمادة التاريخ في جامعة بنسلفانيا الأميركية. وكان رئيسا لها خلال عشر سنوات. ثم انتقل للتدريس في جامعة "اوروبا الوسطى". أولى اهتمامه بعد ذلك، لتلك المنطقة من العالم، خاصّة لمسألة الحدود في المنطقة المعروفة بتسمية "أوراسيا". ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات، بينها: الروسية والبولندية والأوكرانية.
الكتاب: الصراع على التخوم الأوروبية ـ الاسيوية
تأليف: الفريد ج. ريبير
الناشر: جامعة كمبردج 2014
الصفحات: 648 صفحة
القطع: المتوسط
The struggle for the eurasian brderlands
Alfred j. Rieber
Cambridge University Press- 2014
648 pp.
