شاعت، في المراحل الأولى من حقبة العولمة الليبرالية السائدة، أفكار تصب في اطار القول، ان العالم يتوجّه نحو نوع من قيام حكومة عالمية، تتضاءل فيها، ثمّ تنتفي ضمنها، اشكال الانتماء القومية والإتنية.. وغير ذلك من الخصوصيات الحضارية والثقافية . لكن الواقع الراهن يقول شيئا آخر. إذ يبدو أن مسائل الانتماء، وما يترتب عليها مباشرة من قضايا تتعلّق بالهوية وبنقل القيم المتوارثة، تعود بقوّة .
هذا ما يشرحه الفيلسوف الفرنسي، بول اودي، في كتابه الأخير : " نزوات الانتماء ". ويناقش فيه المعاني العميقة التي تحملها مفاهيم الانتماء، بكل أشكاله. هذه المفاهيم التي برزت بقوّة من جديد وكانت وراء الكثير من المجابهات في القرن الماضي ،العشرين، ويبدو أنها، كما يرى المؤلف، ربما "تشعل نيران العداوات من جديد"، في هذا القرن الحادي والعشرين.
يحاول اودي أن يناقش مختلف جوانب مفهوم الانتماء، الذي يصفه بـ "المعقّد جدا". ويطرح عددا من الأسئلة، في إطار بحث تشعبات موضوع البحث، مثل: هل لنا هوية؟
التعريف الذي يقدّمه المؤلف للهوية، هو أنها في المحّصلة نتيجة عملية بناء، ويوضح، عموما، أن ما يكون عليه الإنسان في لحظة معيّنة، هو بمثابة الحامل والأساس، اللذين يعتمد عليهما من أجل تحديد معالم هويته في تلك اللحظة. هذا بمعنى، أن مفهوم الهوية نفسه، قابل للتطوّر. وفي المحصّلة، يرى أن الهوية لا يمكن اختزالها أبدا، إلى مجرّد "بطاقة أحوال مدنية" يحملها الشخص المعني بها.
ويبين هنا، أن هناك عدّة مستويات تتداخل في ما بينها، لتجعل من الصعب تحديد دقيق لهوية انتماء الفرد. ذلك أن البشر كلّهم كائنات إنسانية. وهناك ميثاق عالمي لحقوق الإنسان.. وأيضا، خصوصيات الانتماء لأمّة ولطبقة اجتماعية. ويضاف الى ذلك، المستوى الثالث، المتمثّل في السمات الشخصية التي يتفرّد فيها كل إنسان، عن غيره من الناس، حتى الأكثر قربا منه.
ويشير المؤلف إلى الصعوبة الكبيرة في التمييز بين مسألتي الانتماء والهوية، بسبب درجة الاختلاط بينهما. ويشرح في البداية، أن تعبير الانتماء يدل على فعل الانتماء الى شيء ما، او إلى جماعة يحس الفرد أنه "يحقق ذاته" في داخلها، وبــ"محض إرادته ورغبته" .
ذلك أن الفرد ربما يجد نفسه داخل مجموعة بشرية، من دون أن يرغب ذلك. والانتماء يتطلّب اعتبار الفرد المعني فيه، نفسه، وجد "هويته الاجتماعية" في المجموعة التي ينتمي إليها.. وأنه يتبنّى قيمها. هذا فضلا عن إظهار مشاعر التضامن مع جميع أولئك الذين ينتمون اليها أيضا.
ومن المعاني التي يشير اليها المؤلف في مسألة الانتماء، إحساس من ينتمي إلى مجموعة ما، مهما كانت هويتها والأسس القائمة عليها، أنه يعيش على المستوى الشخصي، كل الأحداث وأشكال النجاح والفشل التي تعرفها المجموعة المعنيّة. بهذا المعنى تصبح إنجازاتها بمثابة إنجازات شخصية لكل فرد فيها.
والانتماء يعني في مشرب آخر، نسج علاقات متجددة مع أشخاص آخرين، وحيث يقوم كل فرد بـ"وظيفة" محددة، حسب اختصاصه واهتماماته. وبالتالي، ينبغي على كل فرد، أن يأخذ في الحسبان، الأفراد الآخرين، بما هم عليه وبالطريقة التي يفكّرون فيها. وكذلك، بما يمكن أن يقدّم كل فرد للمجموعة، بحيث يسهم الجميع في مشاريع تصب في مصلحة الكل. بهذا المعنى تغدو مشاعر الانتماء بمثابة "الجرعة المضادة" لمشاعر الانطواء والعزلة.
المؤلف في سطور
بول أودي. فيلسوف فرنسي. أولى اهتمامه، بشكل خاص، لشرح العلاقة بين ما هو أخلاقي وما هو جمالي. قدّم أكثر من عشرة كتب في موضوع اهتمامه، في عدادها : إمبراطورية التعاطف، خطاب حول الشرعية الراهنة للفنان.
الكتاب: نزوات الانتماء
تأليف: بول اودي
الناشر: انكر مارين- باريس- 2014
الصفحات: 126 صفحة
القطع: الصغير
Le démon de l appartenance
Paul Audi
Encre Marine - Paris- 2014
200 pp
