تتفق آراء كثيرة، على القول ان فرنسا تعاني من أزمة كبيرة في سياق الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008. وزير خارجية فرنسا الأسبق، وإحدى الشخصيات الفرنسية التي تحظى بمصداقية كبيرة على الصعيد العالمي، هوبير فيدرين، يقبل أن فرنسا أمام التحديات، كما يقول عنوان كتابه الأخير، لكنه يرفض أن «فرنسا تقهقرت إلى مصاف الأمم التي ستعرف انحداراً محتوماً».

إن هوبير فيدرين يجري عملية توصيف للوضع القائم في فرنسا، حالي، على ضوء تجربته الطويلة في مجال السياسات الدولية، وبالاعتماد على أنه من «المرجعيات» الفرنسية النادرة ذات المصداقية، التي تتمتع برؤية شاملة للمسائل الدولية. وكذلك، على ضوء معطيات «عولمة» مقبولة أكثر في البلدان الغربية والصناعية الكبرى، أكثر من ما هي مقبولة في فرنسا.

ما يؤكّده فيدرين، كنتيجة وكـ«رسالة» موجّهة خاصة إلى أبناء بلاده، أن فرنسا تمتلك كل ما ينبغي كي تتأقلم بما يخدم مصالحها في العالم الجديد، باستثناء أمرين أساسيين، هما الرغبة في ذلك والثقة بالنفس. وبالتوازي مع ذلك، عليها أن تلعب «أكثر وبفعالية أكبر»، ورقة العولمة.

وإذا كان المؤلف يؤكّد أن فرنسا تعاني من صعوبات اقتصادية حادّة جعلتها تخسر الكثير من نفوذها على المسرح الدولي، فإنه يؤكّد بالقوّة نفسها، أيضاً، أنه لا ينبغي تحميل مسؤولية ذلك للعولمة. ومن خلال البحث في الواقع الاقتصادي الفرنسي، ونقاط قوته وضعفه، وفي السياق «الجيوسياسي» لموقعها في السياق العالمي..

وما يوفّر لها ذلك من مكانة دولية، وكذلك في الحالة «النفسية» التي تقوم على أساسها رغبة اكتساب موقع هام على مسرح العلاقات الدولية، يحاول المؤلف استنباط ما يعتبره ضروريا من أجل «الخروج من المآزق التي وضعت فرنسا نفسها فيها».

من المسائل الأساسية التي يرى فيدرين أنها تعيق نهوض فرنسا، في مسارها الحالي، ولمواجهة التحديات «التي تعترض مسارها، هناك واقع أن الفرنسيين لا يؤمنون، حاليا، بفرنسا، وأنهم يعانون بالتالي، من التشكك حيال المستقبل، بل والخوف من هذا المستقبل، من ما يولّد حالة من الشلل في الواقع الراهن. وبهذا المعنى يشكل التشاؤم السائد لدى الفرنسيين، عقبة ينبغي العمل جدّيا للتغلّب عليها، لاستئناف مسيرة التقدم وعدم الانكفاء إلى الوراء».

وهذا يشكّل بدوره، العقدة التي يصعب حلها، وحالة الانسداد التي تعاني فرنسا منها. ولا يتردد في القول، إن أزمة فرنسا، هي من «طبيعة سيكولوجية مأزومة جداً»، أكثر مما هي بسبب الديون الضخمة والعجز الكبير في الميزانية، اللذين تعانيهما منذ سنوات.

يصنّف فيدرين الفرنسيين، على أنهم أكثر تشاؤما من الشعوب التي عاشت مآسي مهولة، مثل الأفغانيين والعراقيين. ويضيف في الإطار عينه: «إننا لسنا متشائمين بسبب عاهة معطّلة نعاني منها، لكن التشاؤم يجعل الفرنسيين يعانون من عاهة تعطّل قدراتهم».

ومن التحديات التي يجد هوبير فيدرين أنها تواجه فرنسا، يذكر المنافسة الشديدة التي تمثّلها البلدان التي يطلقون عليها توصيف «الصاعدة»، وفي مقدمتها الصين. فتلك البلدان تملك العديد من الأوراق الرابحة في المنافسة على الأسواق، وليس أقلها قيمة امتلاكها لـ«تكنولوجيات» على مستوى تلك التي تملكها البلدان الغربية المتقدّمة، وفي عدادها فرنسا.

 المؤلف في سطور

 هوبير فيدرين. أحد رجال السياسة الفرنسيين المعاصرين، ذوي الشهرة العالمية. كان مستشارا لفرانسوا ميتران. شغل منصب وزير خارجية فرنسا لسنوات في حكومة ليونيل جوسبان ( 1997 ـ 2002). يترأس منذ عام 2003 معهد فرانسوا ميتران. من مؤلفاته: عوالم فرانسوا ميتران، أطلس الأزمات والنزاعات.

الكتاب: فرنسا أمام التحديات

تأليف: هوبير فيدرين

الناشر: فايار- باريس 2014

الصفحات: 180 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

La France au défi

Hubert vedrine

Fayard ذ Paris- 2014

180 pp.