غيّرت الثورة الصناعية الكبرى وإنجازاتها التكنولوجية الضخمة، منذ القرن الثامن عشر، الكثير في حياة البشر. وفتحت آفاقاً جديدة نحو اكتشاف عوالم جديدة، بفضل اختراعات، ليس أقلّها السيارة والقطار ودخول الآلة في حياة الإنسان. ومنذ نهايات ذلك القرن ـ الثامن عشر، اجتاحت «المناطيد» سماء أميركا وبلدان القارة الأوروبية. تلك الظاهرة ترتب عليها ما يصفه الكاتب البريطاني، ريشارد هولمز، «السقوط نحو الأعلى»، كما جاء في عنوان كتابه الأخير.

تلك المغامرة في «غزو الفضاء» كان وراءها، كما يشرح المؤلف، حفنة من أصحاب الرؤوس الحامية الذين استهوتهم المغامرة العلمية من جهة، وشغفهم بالعلو الشاهق من جهة أخرى. ويتعرض هولمز لمسيرة حياة أولئك الروّاد.

يؤكد المؤلف، أن هؤلاء ساهموا بالكشف عن بعض أسرار المناطق الأرضية.. وامتزجت لديهم، في دوافع خوض مثل تلك المغامرة، عوامل تداخل فيها التاريخ والفن والعلم ورغبة تجاوز المألوف. ويصف هولمز، ذلك المشهد في قرية غونيس، على بعد 16 كيلومتراً من باريس. نحو الساعة السادسة، من مساء يوم 27 أغسطس من عام 1783، عندما رأى السكان جسماً يهبط من السماء، و«ظنّه بعضهم القمر». وحين اقتربت الجموع المندهشة منه، رأت «كيساً ضخماً باللونين الأحمر والأبيض». ويبين المؤلف أن ردود أفعال الفلاحين تراوحت بين الهرب والإقدام.

يعتبر المؤلف أن الأخوين الفرنسيين مونغولفييه، كانا أوّل من لاحظ، عام 1782، أن الهواء الساخن له أثر في المساعدة على صعود الأجساد الخفيفة. وبدؤوا تجريب ذلك على «كرة خفيفة»، حجمها ثلاثة أمتار مكعّبة ثمّ طوّروا التجربة على كرة أكبر قطرها 12 متراً، مصنوعة من القطن والورق. إذ «صعدت» إلى علو قارب الـ400 متر. ثم عرضوا اختراعهم على ملك فرنسا في فرساي، عام 1873. هكذا أصبح اسمهما يعني «المنطاد» باللغة الفرنسية.

وبعد ما يزيد قليلاً على العشر سنوات من اختراع الأخوين «مونغولفييه»، صعد بشر في المناطيد وحلّقوا في سماء العديد من المدن الأوروبية. ولم تكن مجرّد وسيلة لعمليات «طيران للمتعة». بل كانت لها استخدامات متنوّعة، أوّلها أنها استخدمت لنقل الرسائل في زمن الحروب. كما حصل أثناء حصار باريس من قبل البروسيين خلال عامي 1870 ــ 1871.

وكأداة إعلانية للترويج لمختلف المنتجات الاقتصادية، وحتى الثقافية. وفي دراسة أحوال الطقس. كما لكن كان للمناطيد أيضاً «دور سياسي»، ذلك طبقاً لما دلت عليه إحدى المغامرات قريبة العهد التي يذكرها المؤلف.

وهي قصّة هرب «كان فيها قدر كبير من المخاطرة»، بطلها أحد الألمان الشرقيين. إذ أراد الانتقال عبر منطاد فوق سور برلين قبل سقوطه، من برلين الشرقية إلى القسم الغربي من المدينة. لم تكن قصّة عادية، بل مثالاً على دور المناطيد في خدمة أهداف ذات طبيعة سياسية.

 المؤلف في سطور

 ريشارد هولمز. أحد كتّاب السيَر الإنجليز. متخصص في الحقبة الرومانسية، في بريطانيا وفرنسا. سبق له وأن قدّم سير حياة العديد من المشاهير من بين المبدعين الرومانسيين، مثل: سيرة حياة شيللي، وسيرة حياة كولريدج، الشاعران البريطانيان.

 الكتاب: السقوط نحو الأعلى.. كيف ذهبنا إلى الفضاء؟

تأليف: ريشارد هولمز

الناشر: بانتيون بوك - لندن 2013

الصفحات: 404 صفحات

القطع: المتوسط

 

 

Falling Upwards

Richard Holmes

Pantheon Books- London ذ 2013

404pp.