بدأت مسيرة التوحيد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية. ذلك على خلفية إدراك مدى ما عرفته هذه القارة العجوز، كما يسمونها، من ويلات التدمير والتخريب خلال حربين عالميتين انطلقتا منها خلال القرن العشرين. كان «السلام» هو الهدف الحقيقي الدفين، الذي سعى إليه، منذ البداية، أولئك القادة الذين أرادوا أن تدفن قارتهم فؤوس الحرب، مرّة أخيرة وإلى الأبد.

يطرح البعض، كأفق بعيد لمسيرة التوحيد الأوروبي، التي تتجسّد، حاليا، في الاتحاد الأوروبي الذي يضم 28 دولة أوروبية، الوصول إلى قيام الولايات المتحدة الأوروبية، على غرار النموذج الأميركي. لكن مثل ذلك الأفق، يبدو أنه يبتعد أكثر فأكثر، كما تشرح الباحثة الفرنسية، كورالي دولوم، في كتابها الأول: أوروبا.. الولايات غير المتحدة.

الكتاب في جوهره، محاولة توصيف لواقع الاتحاد الأوروبي في حالته الراهنة «بعيدا عن كل الأساطير»، كما تكتب مؤلفته. وبالوقت نفسه، نوع من الدعوة لـ «إعادة اختراع أوروبا». ذلك على أساس أن أوروبا، أصبحت حاضرة في الحياة اليومية لمواطني الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كما تكتب كورالي دولوم. وتضيف مباشرة، ان أوروبا نفسها، تمثّل «سلطة غريبة وغير مفهومة جيداً في أذهان المواطنين نفسهم».

مثل هذه المفارقة بدت بصورة تدريجية، كما تشرح المؤلفة، عبر الانتخابات الأوروبية. فهناك تزايد نسبة أولئك الذين لا يشاركون في هذه الانتخابات في عموم بلدان الاتحاد الأوروبي. وأيضا، تزايد نسبة الناخبين الأوروبيين الذين يولون ثقتهم للأحزاب، المناوئة أصلا، لمسيرة التوحيد الأوروبي.

ومن التوصيفات التي تؤكّد عليها كورالي دولوم، أن البناء الأوروبي تشرّب الصيغ القانونية، والمنحى الاقتصادي. ونسي، بالوقت نفسه، مبادئ الديمقراطية والسيادة. وتشير إلى بزوغ غاب« من المؤسسات الأوروبية، من بين الأكثر شهرة منها البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي.

 فكل هذه المؤسسات والكيفية التي عملت فيها، كانت، حسب التحليلات المقدّمة، سبباً رئيسياً في ابتعاد الناخبين الأوروبيين عن جميع العمليات الانتخابية الأوروبية. وتحمل المؤلفة في هذا السياق، المسؤولين في البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مسؤولية دفعهم شعوبهم إلى «التشكيك بالبناء الأوروبي، وبالتالي تعريض مستقبله للخطر».

ما تراه المؤلفة هو أن البعض يريدون منع النقاش حول الاتحاد الأوروبي بوسائل عديدة. ولا تتردد في اعتبار منطق باروزو، بمثابة أحد السهام الأخيرة في جعبة المدافعين عن الاتحاد الأوروبي. وتنتهي كورالي، إلى القول انه حان وقت إعادة تعريف أوروبا. ذلك أن «الطلاء ـ الورنيش ـ ينهار في كل الأماكن. والشك يعشش، حتى في أذهان أولئك الذين كانوا من بين الأكثر حماساً للبناء الأوروبي حتى البارحة».

 المؤلفة في سطور

 تحمل كورالي دولوم شهادة الدراسات العليا من معهد الدراسات السياسية في مدينة غرونوبل الفرنسية. وفي عام 2011 أسست موقعاً الكترونياً، تحت عنوان «الحلبة بلا رتوش». وكرّسته للتعليق على الأحداث السياسية الراهنة. تسهم بالكتابة في العديد من وسائل الإعلام الفرنسية، بينها: مجلة «ماريان » الأسبوعية.

 الكتاب: أوروبا.. الولايات غير المتحدة

تأليف: كورالي دولوم

الناشر: ميشالون- باريس- 2014

الصفحات: 224 صفحة

القطع: المتوسط

 

Europe ,les Etats desunis

Coralie Delaume

Michalon - Paris- 2014

224 pp