عرف العالم الغربي، فضائح عديدة، حول الغذاء والتغذية، أثارت الكثير من النقاش والتعليقات والتحليلات في مختلف وسائل الإعلام. وما اتفق عليه الجميع، أن هناك الكثير «من الظلال» و «الغموض»، يحيطان بما يتناوله المستهلكون من أطعمة، غير واضحة العناصر الداخلة فيها، ولا مصدر تلك العناصر.
حول هذا الموضوع، الذي يثير قلقا متزايدا لدى جمهور المستهلكين، وحركات احتجاج لدى من يطلقون عليهم توصيف «أنصار البيئة» ويشكل جدول أعمال العديد من الندوات والمحاضرات، يكرّس المهندس الزراعي الفرنسي بيير ويل، كتابا بعنوان : «التهموا الأطعمة، ونحن نتكفّل بالباقي».
أمضى ويل سنوات طويلة من حياته، في البحث عن العلاقة بين الإنتاج الزراعي والبيئة والصحّة. وبعد أن قدّم كتابين ناجحين في إطار الاهتمام نفسه، تساءل في أحدهما عن «البدانة كمستقبل للبشر»، وفي الآخر عن «الطعام والصحّة».
يوجّه في هذا العمل الجديد، «أصابع الاتهام» إلى المهنيين العاملين في حقل الصناعات الغذائية، وفي الوقت ذاته، إلى المسؤولين السياسيين.
وفي طليعة الذين يثير المؤلف التساؤلات حيالهم، هم أولئك الذين يصفهم أنهم «يعرفون كل شيء ولا يقولون شيئا». وما يعرفه الجميع، أن «التغذية السيئة تقتل». لكن «هذا القاتل»، على خلاف القتلة الذين يستخدمون البنادق الرشاشة أو يفجّرون القنابل ويردون ضحاياهم على الفور، يعمل «على المدى الطويل» .
ولم يعد يخفى على أحد، أن حوادث الاحتشاء القلبي والبدانة ومرض السكري وزيادة نسبة الشحوم والكوليسترول في الدم، وما يترتب على ذلك من مخاطر الإصابة بأشد الأمراض فتكا، وصولا إلى السرطانات، تساعد عليها كلّها «التغذية السيئة». ويحدد مؤلف هذا الكتاب القول إن «المتهم الأكبر»، هو بحث أرباب الصناعات الغذائية عن إنفاق أقل كلفة ممكنة، عبر اللجوء إلى عناصر فقيرة في قيمتها الغذائية، وذات تأثير سلبي على الصحّة.
يشرح المؤلف، على مدى العديد من الصفحات، أن هناك ثالوثا رهيبا يؤطر منظومة الاستهلاك السائدة، بل وبـ «إغلاقها» على صعيد الأطعمة الشائعة في المجتمعات الغربية الصناعية المتقدّمة. أطراف هذا الثالوث هي مجموعات الضغط ـ اللوبي ـ المسيطرة على قطاع الصناعات الغذائية والدعايات التلفزيونية، التي تروّج، ليل نهار، لمنتجات القطاع المعني وشبكة المجمّعات التجارية الكبرى، التي توزع تلك المنتجات وتسوق لها.
وتتمتع هذه المنظومة «المغلقة»، بقدر كبير من الفعالية. ويحدد المؤلف القول إن ضحاياها هم الشباب في المقام الأول. وعن سؤال إلى أين وصلت الأمور على صعيد الصعيد الغذائي؟ يجيب بيير ويل :« إن ما يجري، في إطار العلاقة بين مختبرات التحليل الطبي والأبحاث المتعلّقة بالصحة ودورات التوزيع في المجمّعات التجارية ـ المخازن الكبرى ـ، والمجموعات الكبرى العاملة في قطاع الصناعات الغذائية، يشكل تهديدا قاتلا أحيانا، لصحّة سكان هذا الكوكب الصغير، الأرض. ومن وقت إلى آخر، تنفجر فضيحة مثل جمرة فوق فوهة بركان، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه».
ومن النتائج التي يركز عليها المؤلف، المخاطر الكامنة في اللجوء إلى «زراعات السعر الأدنى»، أي «من الأرض إلى الصحن». إذ برزت تغذية «ذات سرعتين». من جهة: وجود «كمٍ كبير من المنتجات التي لا قيمة ولا طعم لها ». ومن جهة أخرى: كميّة قليلة من المنتجات الطبيعية ـ البيو. وهذه الثنائية أدّت إلى قيام نوع من «خط الجبهة»، حسب تعبير المؤلف، بين القائمين على «أغذية السعر الزهيد»، وبين أنصار «التغذية ذات النوعية الأفضل».
ويؤكد المؤلف أن «من يزرع عناصر السعر الزهيد سيحصد مرض السكري والاحتشاء القلبي والأورام السرطانية والبدانة . وهذا النمط من الزراعة ليس في صالح الحياة». أما العلاج الناجع للخروج من المنظومة الجهنمية للتغذية السيئة، فنجده «في حقول الزراعة .. ولكن أيضا في خيارات حياتنا».
المؤلف في سطور
بيير ويل. مهندس زراعي فرنسي . يعمل منذ أكثر من عشرين سنة، على العلاقة بين الإنتاج الزراعي والبيئة والصحّة. كان قد شارك في العديد من الحلقات العلمية والدراسات التطبيقية، حول آثار البيئة على الصحّة الإنسانية. سبق له أن نشر كتابي: «هل سنكون كلّنا بدينين غدا؟»، «طبق طعامي وصحّتي وكوني». إذ أثارا اهتماما كبيرا لدى العاملين في الحقل العلمي.. وكذا لدى الجمهور العريض.
الكتاب: التهموا الأطعمة.. ونحن نتكفّل بالباقي
تأليف: بيير ويل
الناشر: بلون- باريس- 2014
الصفحات: 225 صفحة
القطع: الصغير
Manger , on s occupe de reste
Pierre Weill
Plonذ Paris- 2014
225 pp
