أمضى «بن جوداه»، عدّة سنوات في العاصمة الروسية موسكو كمراسل للـ«فايننشال تايمز» والـ"إيكونوميست". وجال في عموم مناطق روسيا الاتحادية والجمهوريات السوفييتية السابقة.
ومن خلال خبرته الميدانية واهتمامه بالشأن الروسي، قدّم كتاباً عن تطور المسار السياسي الروسي في فترة ما بعد الشيوعية عامّة، ومنذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000، على الخصوص. يحمل الكتاب عنوان "إمبراطورية فاشلة"، وعنواناً فرعياً: "كيف اقتربت روسيا من بوتين وكيف ابتعدت عنه؟".
الفكرة الأساسية التي يتناولها المؤلف بالنسبة لمشروع بوتين عندما وصل إلى السلطة عام 2000، مفادها أنه كان يريد أن يبني نظاماً سياسياً تحت عنوان "ديكتاتورية القانون"، لكنه فشل في تحقيق مشروعه.
يلفت المؤلف إلى أنه فكرة أهملت، كما يقول، تتمثل في أن سكان المناطق البعيدة، النائية، الموجودة في "العمق الروسي"، يعرفون مستوى معيشة ومكاسب اجتماعية كانوا قد وعدوا أنفسهم بها، هي أقل بكثير من مستوى معيشة ومكاسب شريحة "المثقفين الليبراليين"، الذين يعيشون في العاصمة موسكو. تدل الإحصاءات التي يقدمها المؤلف، أن نسبة 38 بالمئة من الروس يعيشون في المناطق الريفية، أو في المدن الصغيرة.
ونسبة 52 بالمئة من هؤلاء، يعملون كموظفين لدى الدولة في قطاعات التعليم أو الإدارات العامّة أو الجيش أو هم من المحالين على التقاعد. وهؤلاء جميعاً، بطبيعتهم وببعدهم الجغرافي، يعزفون كثيرا عن ممارسة السياسة وعن الانتساب إلى القوى المعارضة للنظام القائم.
يرسم المؤلف في كتابه، نوعاً من "الخارطة السياسية" لروسيا والقوى الفاعلة فيها، والمنعطفات التي عرفها مسارها، منذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000. ويحدد القول ان أحد المنعطفات الكبرى كان في شهر أكتوبر من عام 2003، مع اعتقال رجل الأعمال الروسي الذي كان في عداد الأثرياء الجدد، الذين جمعوا ثروات طائلة في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكان لفترة من المقرّبين جدا، من بوتين.. وهو ميخائيل خودوروفسكي.
ومنعطف آخر يجده المؤلف ذا أهمية كبيرة، يكمن في صعود حركة الاحتجاجات الشعبية التي برزت إلى العلن بقوّة، منذ شهر ديسمبر عام 2011. ذلك الشهر عرف تظاهرات عارمة، جالت شوارع موسكو وعددا من المدن الروسية، إثر الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية في روسيا لانتخاب أعضاء مجلس "الدوما"، كما يسمّى البرلمان الروسي. فتلك الانتخابات فاز فيها حزب فلاديمير بوتين، بأغلبية المقاعد.
ويحدد المؤلف القول إن هدفه من هذا الكتاب، الإجابة عن سؤال يطرحه جميع المحللين والمفكرين السياسيين: كيف يمكن لرجل كان مغمورا إلى حد كبير، أن يصل، غداة الحرب بين روسيا وجورجيا، إلى كسب ثقة 83 بالمئة من الروس، كما دلّت استطلاعات رأي عديدة، وتمتع بشعبية تضاهي تلك التي نالها يوري غاغارين، أوّل رائد فضاء روسي، أن يبدد خلال ثلاث سنوات تالية، مثل ذلك الرأسمال السياسي الكبير؟
ويشرح المؤلف أن حزب "روسيا الموحّدة"، حزب الرئيس بوتين، ليس أكثر من تجمّع يضم المنتفعين من النظام. وتنعدم في داخله النقاشات الحرّة والمفتوحة. كما ان النخب الثقافية المناهضة بطبيعتها لنمط الحكم الفردي الذي أقامه بوتين"منفصلة"، كما يصفها المؤلف، عن تطلعات الجماهير الشعبية الواسعة.
النتائج التي يصل إليها المؤلف، في خاتمة كتابه، هي أن روسيا ـ بوتين تمثل "إمبراطورية هشّة"، وصورتها "قاتمة ، لكنها لا تنبئ بنهاية النظام القائم.
المؤلف في سطور
عمل بن جوداه، مؤلف الكتاب، لسنوات، مراسل الـ"فايننشال تايمز" والـ"إيكونوميست"، في العاصمة الروسية موسكو. يسهم في الكتابة بصحف ودوريات عديدة، من بينها: مجلة "السياسة الدولية". التحق، بعد موسكو، بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" في لندن.
الكتاب: إمبراطورية هشّة..
تأليف: بن جوداه
الناشر: جامعة يال - 2013
الصفحات: 380 صفحة
القطع: المتوسط
Fragile Empire
Ben Judah
Yale University Press - 2013
380 pp.
