رؤية بديلة للروايات الشائعة تسمح بالتعرّف بعمق إلى حقيقة المسار الذي عرفته «البلاد الصاعدة» منذ وصول ماوتسي تونغ إلى السلطة عام 1949

من الأفكار الشائعة عن الصين، أن الثورة الصينية بزعامة ماوتسي تونغ، أرست عند وصول الشيوعيين إلى الحكم عام 1949، حقبة من الازدهار، أطلق عليها البعض توصيف «العصر الذهبي» الذي عرف وقوف البلاد على قدميها، بعد عقود طويلة من الانقسامات والنزاعات المدمّرة.

ووصل مديح بدايات جمهورية الصين الشعبية، إلى التأكيد أنها قامت بإصلاحات رائعة. وفي كل الحالات يرى المؤلف أن مثل تلك الآراء تمثّل صدى لما هو متفق عليه عامّة، بأن فترة السنوات الأولى من حياة جمهورية الصين الشعبية، هي «نسبياً، الفترة الأقل رعباً في النظام الشيوعي الصيني». وإضافة أن ذلك، «مفهوم» بالقياس إلى ما عرفته الصين لاحقاً، من أعمال قسرية ومجاعات ومعسكرات، اقترب نزلاؤها من مكانة العبيد.

فرانك ديكوتير، المؤرّخ الهولندي المتخصص في تاريخ الصين الحديث، والأستاذ في جامعة هونغ كونغ، لديه رؤية أخرى مغايرة تماماً لتلك الأفكار الشائعة.. وكان قد كرّس أحد كتبه ـ ما قبل الأخير ـ لـ«مجاعة ماو الكبرى» التي أعقبت برنامج ماو المعروف بتسمية «القفزة الكبرى إلى الأمام». إذ يصف تلك «القفزة إلى الأمام»، بأنها كانت إحدى المآسي الكبرى في التاريخ الإنساني كله، إذ خلّفت 45 مليوناً من الضحايا. وهو يكرّس كتابه الأخير لـ«مأساة التحرر» الذي يعود فيه إلى «تاريخ الصين خلال سنوات 1945 ـ 1957»، كما جاء في عنوانه الفرعي.

نقطة البداية في تأريخه للصين بهذا الكتاب، تتمثّل في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.. ثمّ وصول الشيوعيين إلى السلطة، عندما رفع ماوتسي تونغ عام 1949 «العلم الأحمر» على بكين، بعد حرب أهلية دامية كإعلان عن هزيمة خصمه: تشيانغ كاي شيك، زعيم القوميين الصينيين.

 ذلك الوصول إلى السلطة، أطلق عليه الشيوعيون توصيف «التحرير» الذي درت الدلالة عليه في عنوان الكتاب. مع «التحرير» أطلقت عملية دعائية مدروسة، لتأكيد «نهاية النظام القديم»، وبداية حقبة جديدة من الإصلاحات. ولكن أحد الأهداف الأساسية التي يسعى المؤلف إلى تحقيقها، يكمن في هدم مجمل الادعاءات التي احتوى عليها الخطاب «الإيديولوجي للحزب الشيوعي الصيني»، عن مزاعم تمسّكه بالحقيقة وبالفضيلة.

الرمز الكبير للنظام الجديد، يجده المؤلف في تبنّي ذلك النظام لـ«عدم وجود مالكين للصين». فمالك البلاد غداً «الشخصية المركزية للأسطورة الشيوعية الصينية»، التي مجدت في الأدب والرسم والسينما، وغير ذلك من أدوات التعبير العامّة.

يبين المؤلف، أنه أُحيط عمل الأجهزة الرسمية، التابعة للنظام الشيوعي، بقدر كبير من السريّة. إذ غيب ما كان يجري وراء «جدار سميك». وكل ذلك تحت شعار التقدّم والثورة وممارسة كل أشكال القمع والإرهاب البوليسي.

يناقش المؤلف، الأفكار التي سادت عن إنجازات تلك الفترة، وعلى أساس أنها كانت رائدة. فيبحث في مقولة أن التشوّه الذي عرفه المسار الإصلاحي، جاء لاحقاً بعد الخطط العفوية التي تضمّنها «برنامج القفزة الكبرى إلى الأمام»..

ومن ثم ساءت الأمور، أكثر فأكثر، في عقد الستينات من القرن ذاته، مع مشروعه الآخر في «الثورة الثقافية»، التي كانت وبالاً على الصينيين. يؤكّد المؤلف، أن الوثائق التي اطلع عليها في الأرشيف الصيني الذي فتح قبل سنوات قليلة، تخص الفترة المدروسة تدل على أن العمل الذي قام به ماو ورفاقه في الحكم آنذاك، كان يتسم بقدر كبير من العنف المفرط «المنهجي». وذلك بحثاً عن غاية محددة، وهي تثبيت مواقعهم في السلطة ثم تعزيز ركائز النظام الشمولي الشيوعي، التوليتاري، الذي أرسوا أسسه.

وفي المحصّلة، يقدّم فرانك ديكوتير، نوعاً من «الرؤية البديلة للروايات الموجودة عن الثورة الصينية، خلال سنواتها الأولى. وهو يلقي أضواء جديدة على التاريخ الصيني الحديث، ربما تسمح بالتعرّف أكثر وأعمق، إلى حقيقة المسار الذي عرفته هذا البلاد الصاعدة، منذ وصول ماوتسي تونغ ورفاقه إلى السلطة عام 1949.

المؤلف في سطور

 فرانك ديكوتير. مؤرّخ هولندي. يعيش في هونغ كونغ، حيث يحتل كرسي العلوم الإنسانية في جامعتها. وهو متخصص في التاريخ الصيني الحديث. درّس في جامعة لندن للدراسات الشرقية والإفريقية. سبق له أن قدّم عشرة كتب عن تاريخ الصين، في عدادها: مجاعة ماو الكبرى.

 

الكتاب: مأساة التحرير.. تاريخ للثورة الصينية 1945 ـ 1957

تأليف: فرانك ديكوتير

الناشر: بلومسبيري - 2013

الصفحات: 401 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

The tragedy of liberation

Frank Dikotter

Bloomsbury Publishing- 2013

401 pp.