نابليون بونابرت من العلامات الفارقة، إن لم يكن الأكبر بينها، في التاريخ الفرنسي كلّه. ولا يزال اسمه يحرّك الكثير في مخيلة الفرنسيين حتى اللحظة. ولعلّه الشخصية التي أثارت اهتمام الكتّاب والمحللين، كما يبدو من سلسلة الكتب الكثيرة التي جعلت سيرة حياة ذلك الضابط الكورسيكي "ذو القامة القصيرة"، والذي حكم القارّة الأوروبية وأسهم كثيرا في صناعة التاريخ العالمي، موضوعا لها.
وكان آخر الكتب عنه، ذاك الذي شهدته رفوف المكتبات الفرنسية، قبل أسابيع قليلة، إذ إنه مثير للدهشة من حيث مؤلفه، الذي لم يكن سوى إحدى الشخصيات الفرنسية الاشتراكية الشهيرة: ليونيل جوسبان، رئيس وزراء فرنسا- بعد أن كان وزيرا للتربية والتعليم وأمينا أوّل للحزب الاشتراكي الفرنسي لعدّة سنوات-.
الدهشة تأتي من توقع أنه كان ربما يصدر كتابا عن فرانسوا ميتران، الذي عرفه جيّدا، أو عن جان جوريس، أحد الرموز التاريخية لدى الاشتراكيين الفرنسيين، والذي كان قد دفع حياته ثمنا لموقفه ضد الحرب العالمية الأولى، لكن بدا أن جوسبان مولعا بنابليون. لكنه كان أيضا " مندهشا من ذلك الأثر الكبير الذي تركه في التاريخ الفرنسي "، كما يكتب.
يقرّ الجميع أنه كانت هناك حالة من الإعجاب، بل والسحر، مارستها صورة نابليون على الكثير من المبدعين والكتاب، الذين ليس أقلّهم شهرة بلزاك وستندال والكسندر دوما وشاتوبريان، وحتى فيكتور هوغو وغيرهم ممن رأوا في نابليون "بطل الثورة الفرنسية". لكن جوسبان يرى أنه من المفهوم أن تثير "قصّة نابليون" مشاعر الرومانسيين. هؤلاء كانوا جميعهم تحت تأثير "الأسطورة النابليونية"، التي صاغها نابليون بنجاح بنفسه عن نفسه.
ويبرر جوسبان "تساؤلاته" حول شخصية نابليون، بكونه "رجل سياسة يعرف مداخل السلطة ومخارجها، ولديه فكرة ما عن مصالح بلاده، مع مرور الزمن ". ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في عمله، تأكيده أن سياسات الإمبراطور ومجمل المسار الذي سلكه والمشاريع التي نفذهاا، كانت بالأحرى ليست في مصلحة فرنسا.
إن ليونيل جوسبان يبدو في هذا الكتاب، بعيدا جدا عن تمجيد البونابرتية . ويؤكّد أنه لا ينضوي تحت اطار لافتة تلك الأسطورة المذهّبة ولا الأسطورة السوداء لنابليون. لكن، كما يقول، مجد الإمبراطور واضح وجلي، ولن يحاول المساس به . مع ذلك، ينتهي المؤلف في قراءته للإرث النابليوني في فترتي لـ "إمبراطورية نابليون الأوّل" و "الإمبراطورية الثانية"، بأنهما انتهيا في المحصّلة إلى كوارث.
ولا يتردد المؤلف، في أن يصف الإمبراطور، بأنه كان حاكما مستبدا خلال السنوات الطويلة التي أمضاها على رأس السلطة. كما ترك فرنسا في حالة سيئة جدا. لكنه عرف كيف يقوم بنوع من إعادة صياغة مذكراته خلال سنوات منفاه الأخيرة في جزيرة "القديسة هيلانة"، فنجح في جعل الناس ينسون نزعته الاستبدادية، وقدّم نفسه بصورة "جندي في خدمة الثورة الفرنسية".
ومن خلال شخصية نابليون بونابرت، يعود رئيس وزراء فرنسا الأسبق إلى نوع من المسح السريع لقرنين من تاريخ فرنسا وأوروبا.
وعن الأطروحة الشائعة، القائلة إن نابليون بونابرت أشاع في أوروبا كلّها أفكار الثورة الفرنسية الكبرى، يجيب جوسبان، انه فعل ذلك بعد أن " حوّرها". ولكن ذلك كله لا يمنع أن فرنسا، خرجت من مغامرتها في مختلف مشاريع نابليون "أقلّ قوة وموضع نفور في أوروبا" و"انتصر أعداؤها".
المؤلف في سطور
ليونيل جوسبان. من مواليد عام 1937 . رئيس وزراء فرنسي سابق، وذلك بعد أن شغل عدّة مناصب وزارية، من بينها: وزير التربية والتعليم. وكان أمينا أوّل للحزب الاشتراكي الفرنسي . من مؤلفاته : العالم كما أراه، الطريق المسدودة.
الكتاب: الأذى الذي خلّفه نابليون
تأليف: ليونيل جوسبان
الناشر: سويل- باريس- 2014
الصفحات: 233 صفحة
القطع: المتوسط
Le mal napoléonien
Lionel jospin
Seuil - Paris - 2014
