ارتفعت، بعد انهيار جدار برلين عام 1989.. ومن ثم تفكك الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991، أصوات كثيرة في الولايات المتحدة الأميركية، للتأكيد أن «التاريخ انتهى.. وأن الرأسمالية انتصرت، مرة واحدة وإلى الأبد، على الخصم التاريخي المتمثّل بالمعسكر الاشتراكي». وبالتالي، ستنتهي الحروب وتخمد النزاعات ويعم الاستقرار جميع أنحاء العالم.
ولكن الواقع قال شيئاً آخر، إذ شبّت حروب عدة وتعاظمت ظاهرة الإرهاب على الصعيد العالمي. ولم يتردد باراك أوباما، خليفة جورج وولكر بوش، في اللجوء إلى استخدام الطائرات من دون طيّار، ضد من أُطلقت عليهم تسمية «أعداء أميركا». وأخذت وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية «سي آي إيه» مكانة مهمّة لدى الإدارة الأميركية، بالتوازي مع الجيش الأميركي.
تطوّر تلك الوكالة ودور الجيش في السياق الأميركي الذي أعقب تفجيرات 11 سبتمبر 2001، هو بالتحديد ما يشرحه كتاب الصحافي الأميركي مارك مازّيتي، المتخصص في قضايا الأمن ضمن صحيفة «نيويورك تايمز»، الذي يحمل عنوان «طريق السكين».
ومن المسائل الكثيرة التي يكشف عنها الكتاب، أن الوكالة الاستخباراتية الأميركية، أخذت دور الصدارة في العديد من العمليات التي جرى تنفيذها في بلدان صديقة للولايات المتحدة الأميركية، مثل الباكستان. ذلك أن الجيش الأميركي لا يستطيع بناء على المعاهدات المبرمة مع بلدان حليفة، القيام بمثل تلك المهمات. وعلى أساس ذلك، «تشن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، عمليات عسكرية تكتيكية في جميع أرجاء العالم»، كما يكتب المؤلف.
وفي المقابل، وبنوع من عكس الأدوار، يشير المؤلف، إلى أن هناك قدراً كبيراً من المعلومات المتوافرة لدى الأجهزة الأمنية الأميركية، جمعت من قبل القوات العسكرية الأميركية المتخصصة في تنفيذ العمليات الخاصّة التي تقررها القيادات الأميركية. وليست هي وكالة الاستخبارات المركزية التي جمعتها.
ويشير مازيتي، إلى أن ما يزيد المشهد الأمني الأميركي تعقيداً، خاصّة في ما يتعلّق بتحديد المسؤوليات، واقع تكاثر عدد المؤسسات الخاصّة، التي تجمع أيضاً المعلومات التي تستخدمها الحكومة الأميركية. ولا يتردد المؤلف في القول: إن هناك حالة من التشوش في ما يتعلّق بالطريقة التي تقرر فيها السلطات الأميركية: كيف تلجأ إلى الحرب و«وراء ذلك، كيف تمارس السياسة».
إن أحد الخطوط الناظمة لتحليلات هذا الكتاب، يتمثّل في محاولة تبيين الكيفية التي «تتشابك» فيها النشاطات العسكرية والاستخباراتية في الولايات المتحدة الأميركية حلال العقد الذي أعقب تفجيرات 11 سبتمبر 2011. ومما يكشف عنه المؤلف، أن وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون»، حاولت لدى السلطات العليا، أن يجري السماح لها بتشكيل قوّة لمكافحة الإرهاب العالمي، وتزويدها بالسلطات والكفاءات التي تتيح لها المنافسة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
أمّا النتيجة الأساسية التي نتجت عن مثل ذلك التداخل والتشابك في عمل الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية الأميركية، فيحددها المؤلف بمزيج غريب جداً من «التنافس والتعاون في الوقت نفسه» خلال السنوات الأخيرة المنصرمة. ومحور آخر مهم من محاور هذا الكتاب، يتعرّض للبحث في أشكال التبدّل العميق الذي طرأ في سياق ما بعد 11 سبتمبر، على عمل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والحكومة الأميركية برمّتها، في مجال مكافحة الأخطار الصادرة عن أعداء أميركا من غير الدول.
بصورة عامّة، يقدّم مارك مازّيتي نوعاً من القراءة التاريخية، متبعاً التسلسل الزمني لتطور أجهزة الاستخبارات الأميركية، خلال نصف القرن الأخير. ويشرح أنه ومع تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، غدت المهمة للجميع، هي ملاحقة «الإرهابيين» و«قتلهم» إذا أمكن ـ وهنا دخل عمل الطائرات من دون طيار الموجّهة إلكترونياً على الخط ـ مع السماح بممارسة عمليات الخطف والحبس وإجراء الاستجواب خارج أراضي الولايات المتحدة الأميركية.
الكتاب: طريق السكّين.. الـ«سي آي إيه» وجيش سرّي وحرب في نهاية العالم.
تأليف: مارك مازّيتي
الناشر: بنغوان - لندن 2013
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
The way of the knife
Mark Mazzetti
Penguin ذ London ذ 2013
400 pp.
