ميشيل غويا. ضابط فرنسي ابتعد نهائياً عن ساحات المعارك وهو يعرّف نفسه بالقول، إنه بلغ سن الرشد على صعيد المساهمة في العمليات العسكرية. إذ انخرط في أكثر من 21 معركة.
قدّم العديد من المقالات والدراسات حول حروب جرت في منطقة الشرق الأوسط ودرس الحرب في العراق، خلال الفترة من عام 2003 والى 2008؛ وأجرى سلسلة من المقابلات في مختلف وسائل الإعلام، أثارت اهتمام الكثيرين. وبعد ذلك كلّه، يقدّم اليوم، كتاباً سيجد مكانه المرموق بالتأكيد في مكتبات «التاريخ العسكري». يحمل الكتاب عنواناً رئيسياً: «تحت النيران»، وعنواناً فرعياً: «الموت كفرضية محتملة أثناء القيام بالعمل».
يشرح المؤلف في كتابه، بالتفصيل، الطريقة التي يتصرّف فيها الجنود في ساحات القتال، التي يصفها أنها مجال غريب يتواجه فيه البشر والأسلحة. ويوضح تلك الطريقة على المستويين الفردي والجماعي، وذلك في حالات الخطر المحدق الذي ربما يجلب الموت معه. كما يتعرض، في السياق نفسه، للطريقة التي يعبئ فيها المقاتلون طاقاتهم للتقدّم في المعارك تحت وابل نيران العدو.
يتمثل مركز الاهتمام الأول لمؤلف الكتاب، في الحرب على أرض المعارك وساحات القتال وقوانينها، وقبل كل شيء، آثارها في الذين يخوضونها ويجدون أنفسهم في مقابل الموت وجهاً لوجه، عندما تحين ساعة الحقيقة «تحت النيران». ولا يتردد في القول إن «عالم الجندي البسيط في المعركة، يعادل في تعقيده العالم العالم المحيط فيه.. وعالمه هو بالأخص، أكثر خطورة. ذلك أن الانخراط في معركة، يعني المشاركة في عمل جماعي، على غرار جوقة موسيقية غير مضبوطة الإيقاع، وعلى كل فرد أن يتصرّف كخبير، وإلاّ يواجه خطر الفناء».
وليس تعبئة الطاقات فقط، لكن أيضاً بذل أقصى الجهود لتجنّب الخطر في كل لحظة. ويبقى الهدف الماثل في الأذهان تنفيذ المهمات الموكلة للجنود في ساحات المعارك. وفي جميع الحالات أيضاً، تشكّل المساهمة في المعارك نوعاً من «التعمّد بالنار»، ومواجهة الامتحان الصعب إنسانياً في ممارسة القتل أو المخاطرة بالحياة.
يبين المؤلف كيف أن ساحات المعارك ليست «ظاهرة طبيعية، بل هي حدث استثنائي، وبالتالي لا يعيشه الأفراد والجماعات بشكل عادي وبوتيرة معتدلة. إن الموت القريب الذي يمكن أن يفاجئ في أيّة لحظة والخوف الناجم عن ذلك، يغير أشياء كثيرة داخل الأفراد.. وكذلك في أنماط سلوكهم. كما أن توزيع الأدوار يخضع لموازين القوّة.
يرى ميشيل غويا، أن خوض تجربة القتال «لها قوانينها الخاصّة».. ثم إن الأمل الكبير في الخروج «حياً» من المعركة، يمثل دخول تجربة جديدة، هي ممارسة الحياة الطبيعية، بعيداً عن ساحات المعارك. ويشير المؤلف هنا، إلى ما يسمى «الخلايا النفسانية»، التي جرى استحداثها قبل فترة، في الثكنات العسكرية. وهنا تلعب الحالة النفسية دوراً كبيراً من حيث إحساس المقاتل بأنه «محطّم» أو «معتز».
المؤلف في سطور
ميشيل غويا. ضابط فرنسي ابتعد عن ساحات المعارك، منذ سنوات. يحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ. إذ دافع عن أطروحة حول الحرب العالمية الأولى. وكان قد ساهم في العديد من العمليات العسكرية، خاصّة في إفريقيا ومنطقة البلقان، قبل أن يتفرّغ للعمل كمحلل للنزاعات والحروب المعاصرة. سبق له أن قدّم عملاً أثار الكثير من الاهتمام عند صدوره، تحت عنوان: اللحم البشري والحديد.. اختراع الحرب الحديثة.
الكتاب: تحت النيران
تأليف: ميشيل غويا
الناشر: تالاندييه - باريس - 2014
الصفحات: 255 صفحة
القطع: المتوسط
Sous le feu
Michel Goya
Tallandier - Paris- 2014
255 pp
