ركّز الموظّف البارز في الشرطة الفرنسية، وحامل شهادة الدكتوراه في علم القانون ، جان فرانسوا غايرو، في العديد من كتبه، على العلاقة بين الظواهر الإجرامية والأزمات المالية، التي انفجرت بشكل خاص، بسب غياب عمليات الضبط في الأسواق المالية. وهو يكرّس كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «الرأسمالية الجديدة والعصابات الإجرامية».

ومن الأسئلة الجوهرية التي يطرحها المؤلف في كتابه: ألم تقدم الرأسمالية، عبر واقع أنها أصبحت ذات طبيعة مالية ومعولمة ومفرطة في غياب أيّة قواعد للضبط، أرضاً مناسبة لنمو العصابات الإجرامية من حيث أنها تحث على عمليات التزوير بكل أنواعها؟

إجابة غايرو التي يقدمها على مدى صفحات هذا الكتاب، تذهب في اتجاه تأكيد أن النشاط الإجرامي تعاظم كثيراً في ظل العولمة السائدة، كما يدل البعد الذي عرفه بعد نشوب أزمات مالية في بلدان عدة، مثل: اليابان وألبانيا وإسبانيا والمكسيك وكولومبيا. ذلك ما تدلّ عليه أيضاً عمليات تبييض العملات التي يقوم بها أرباب تجارة المخدرات.

ما يحاول مؤلف الكتاب توضيحه، أن الجريمة المنظمة تداخلت كثيراً مع عمل الأسواق المالية. هذا ما تشير إليه عمليات عدة وصيغ من التعاون «غير الشفاف»، بين من يسميهم الـ«مجرمين ذوي الياقات البيضاء» و«المجرمين التقليديين» و«رجال السياسة الفاسدين».

يؤكد جان فرانسوا غايرو، أن «شبكات الجريمة المنظّمة غدت تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد العالمي». وهذا ما يشير إليه منذ الأسطر الأولى في كتابه، عبر نقله جملة كان قد تفوّه بها الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت عام 1936، وجاء فيها ما مفاده: «إننا نعرف اليوم أن هناك درجة من الخطر في أن يحكمنا المال المنظّم، تعادل درجة خطر أن تحكمنا الجريمة المنظّمة».

يلفت المؤلف إلى أن هناك في قلب المجتمعات المعنية، مواقف غير محسومة تماماً، حيال ممارسات غير مسموح بها بوضوح.. وغير ممنوعة بوضوح، مثل تجارة المخدرات وتجارة الجسد وتجارة الأسلحة. وبسبب عدم معرفة كيفية التعامل معها، يعلن عن «شن حرب لا هوادة فيها ضدها»، ولكن من دون قناعة بجدواها. وعبر مثل هذا التردد تمرّ «الجريمة المنظّمة»، مستفيدة من تواطؤ بعض النخب.

ويعرض المؤلف، النتائج التي توصّل إليها فريق من الباحثين في «معهد التقنيات والعلوم ــ البوليتيكنيك ـ في مدينة زيوريخ»، ونشرها في تقرير يعود إلى العام 2011. ومن ما جاء فيه، أن مجموعة من 147 شركة، تهيمن على 40 بالمائة من التمويل والاقتصاد العالميين. وعدد هذه الشركات، يصعد إلى 737 شركة، بالنسبة للسيطرة على 80 بالمائة من المال والاقتصاد العالمي. يعود مؤلف الكتاب للتذكير بأنه يتردد كثيراً، بالنسبة لفرنسا، أن 200 عائلة تمثّل الـ200 مساهم الرئيسي في «بنك فرنسا»، كانت تشكّل حتى عام 1936، الجمعية العامّة للبنك التي كان يرأسها آنذاك، إدوار دالادييه.

وينقل المؤلف عن دالادييه في تصريحه عام 1936، ما مفاده: «إن 200 عائلة فرنسية هي التي تسيطر على الاقتصاد الفرنسي، وفي الواقع على السياسة الفرنسية أيضاً.. وهذه الأسر لها تأثيرها في الرأي العام، ذلك أنها تسيطر على الصحافة». المشكلة الكبرى، حالياً، أن مجموعات الجريمة المنظمة، وعلى رأسها عصابات المافيا، أصبحت تسيطر إلى هذا القدر أو ذاك، على الاقتصاد الرأسمالي.

الصورة التي يرسمها المؤلف للعالم في الوقت الحالي، أنه «يعاني من البلقنة».. وهناك فشل كامل على صعيد مكافحة تبييض الأموال، كما ينقل عن أحد مسؤولي مكافحة التجسس في فرنسا.

المؤلف في سطور

 جان فرانسوا غايرو. أحد كبار الموظفين في سلك الشرطة الفرنسية. يحمل شهادة الدكتوراه في القانون. حائز شهادة عليا من معهد علوم الجريمة في باريس ومن مركز الدراسات العليا، حول إفريقيا وآسيا الحديثتين. سبق له أن قدّم عدة كتب، منها: عالم منظمات المافيا، جيوبوليتيكية الجريمة المنظّمة.

 الكتاب: الرأسمالية الجديدة والعصابات الإجرامية

تأليف: جان ـ فرانسوا غايرو

الناشر: إوديل جاكوب - باريس - 2014

الصفحات: 350 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Le nouveau capitalisme criminel

Jean François Gayraud

Odile Jacob - Paris - 2014

350 pp.