لا شك أن الأكاديمية الفرنسية تعد من بين أكثر المؤسسات الثقافية الفرنسية، بل والعالمية، شهرة. إذ تأسست قبل أربعة قرون تقريباً. واستطاعت البقاء في ظل جميع الأنظمة السياسية الفرنسية، من «النظام القديم»، وحتى الوقت الحالي، مروراً بالثورة الفرنسية الكبرى عام 1789.

بنيت الأكاديمية بمبادرة من الكاردينال روشوليو، أحد أشهر رجال السياسة في التاريخ الفرنسي كلّه، ويبلغ عدد أعضائها، منذ تأسيسها، 40 عضواً باستمرار، من دون زيادة أو نقصان.. وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه عندما يقال باللغة الفرنسية إن كاتباً ما دخل تحت القبّة، فذلك يعني أنه أصبح عضواً في الأكاديمية الفرنسية.

شكّلت الأكاديمية الفرنسية موضوع سلسلة طويلة من الكتب التي كررت تقريباً التاريخ والحكايات نفسها. وكذلك الصور ذاتها. وخرجت بالخلاصة «التمجيدية» عينها، في غالب الأحيان. لكن كتاب الصحافي الفرنسي دانييل غارسيا، الذي صدر، أخيراً، أثار بعد صدوره مباشرة، صدمة حقيقية في الأوساط الثقافية، وأبعد منها لدى جميع النخب، وعلى رأس هؤلاء أعضاء الأكاديمية الفرنسية أنفسهم.

إن هذا العمل يمثل، للمرّة الأولى، تحقيقاً عن طقوس الأكاديمية الفرنسية ومسار تطورها. وقبل كل شيء، عن ثروتها الطائلة والأملاك الكبيرة التي تتصرّف بها، منذ قرون خلت. ومن ثمّ حديثه عن الدسائس التي تحاك في عمليات اختيار الأعضاء الجدد.

يشير المؤلف، دانييل غارسيا، في مقدّمة عمله، إلى أنه عندما أسرّ له ناشره بفكرة تأليف كتاب عن الأكاديمية الفرنسية، تساءل في سرّه: «.. وماذا يمكن أن يثير الاهتمام في الحديث عن السيدة العجوز، التي يعلوها الغبار؟».

لكن سرعان ما أدرك، أن ما يعرفه الجمهور العريض عن هذه المؤسسة العريقة، القابعة عند الرقم 23 من رصيف كونتي، بالقرب من نهر السين، مقابل متحف اللوفر الشهير في قلب العاصمة الفرنسية باريس، لا يتعدّى في الواقع، منظر قببها وواجهتها الجميلة ولباس أعضائها الأخضر المتميّز، الذي كان من بين أواخر الذين ارتدوه الكاتب اللبناني ـ الفرنسي، أمين معلوف.

ويبين أنه يُنقل عن بول بورجيه، أنه كان يردد باستمرار، أن أربعة مطارح كبرى قادرة على مواجهة ثورة من النمط البلشفي ـ الشيوعي ـ في أوروبا، هي الفاتيكان ـ مقر البابوية ـ ومجلس اللوردات ـ البريطاني ـ ورئاسة أركان جيوش بروسيا ـ ألمانيا ـ والأكاديمية الفرنسية.

السمة الأولى التي يؤكّدها المؤلف في توصيفه لآليات عمل الأكاديمية الفرنسية والأكاديميات ـ الأخوات ـ الأخرى، التابعة للقبّة والتي تشكّل ما يسمى بـ«المعهد» الذي أسسه نابليون (يضم ـ أكاديمية الفنون الجميلة وأكاديمية العلوم وأكاديمية العلوم السياسية والأخلاقية وأكاديمية التدوين والآداب)، هي أنها غامضة جداً. وجميع أولئك الذين أرادوا ذات يوم أن يبحثوا عن خباياها وأسرارها، وجدوا أنفسهم أمام جدار لا يمكن معرفة ما يجري خلفه.

كيف استطاع مؤلف هذا الكتاب أن يخترق ذلك الجدار؟ هذا ما يشرحه بالقول إن «الحظ ابتسم له»، مستفيداً من النزاعات الداخلية في المؤسسة العريقة. إذ وجد نفسه أمام سلسلة من المسائل التي يصفها بـ«الفضائح».

المسألة الأكثر إثارة، يجدها دانييل غارسيا في الثروة التي يمتلكها المعهد عموماً، والأكاديمية الفرنسية بشكل خاص. ويناقش المؤلف ما يسميه «الحمّى الخضراء»، كإشارة إلى لباس الأكاديميين الخاص، ذي اللون الأخضر.

 المؤلف في سطور

 دانييل غارسيا. صحافي فرنسي. يكتب في مجلة «ليفر هبدو» الأسبوعية للكتب. سبق له أن قدّم العديد من الكتب، من بينها: القناع والريشة، أبي، أين أبي؟ (الذي لاقى نجاحاً لدى القرّاء). ويناقش فيه المؤلف دور الأب في مسؤوليته عن تربية الأطفال في المجتمعات الغربية.

 الكتاب: قبّة وتوابعها.. تحقيق حول الأكاديمية الفرنسية

تأليف: دانييل غارسيا

الناشر: لو مومون - باريس- 2014

الصفحات: 292 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Coupole et dépendances

Daniel Garcia

Le Moment - Paris- 2014

pp