تشهد فرنسا والعالم الغربي عامّة، أزمة اقتصادية انطلقت في خريف عام 2008 من الولايات المتحدة الأميركية، بسبب آليات منح القروض التي انتهجتها البنوك والمجموعات المالية الكبرى. ووجد قسم كبير من المقترضين، أنهم لا يستطيعون تسديد المبالغ المترتبة عليهم. ثم اكتست صورة "أزمة ديون عامّة"، يبدو أن آفاق التخلّص منها ليست قريبة.
تعددت الآراء والنظريات حول كيفية الخروج نهائياً من تبعات تلك الأزمة. ومن بين الآراء الأخيرة، تلك التي يطرحها الاقتصادي الفرنسي الشاب، الحائز على شهادة الدكتوراه في الرياضيات التطبيقية، ومدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، غايل جيرو، في كتابه الذي يحمل عنوان "الوهم المالي".
وكانت قد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، في نهاية عام 2012، وهذه هي الطبعة الثالثة، التي صدرت قبل أسابيع قليلة، على ضوء تحديث العديد من المعلومات والمعطيات.
يحدد المؤلف القول ان الواجب الأول للنهوض بالاقتصاد، يتمثّل، حسب التحليلات المقدّمة، في التخلّص من الرأي السائد، القائل إن الأسواق المالية التي تغيب عنها قواعد الضبط المفروضة، تمتلك بالمقابل، قدرا كبيرا من الفعالية. وذلك على أساس أنها تؤمّن قواعد ضبط ذاتية، وبالتالي تعترض على مبادرات الضبط الخارجي، التي تعدها مسيئة لمصالحها المباشرة.
ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن الأسواق المالية، بفعل الآليات التي تنتهجها في عملها، هي التي دفعت الاقتصاد الأوروبي نحو الطريق المسدودة.
يشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات، كيف أن البنوك في بلد مثل فرنسا، تتحايل على النصوص الرامية إلى إيجاد نوع من الفصل في النشاط المصرفي بين عمل البنوك وبين دوائر المال الحكومية العليا. وهذا في وقت يبدو فيه أن الحكومات تعمل لـ "صالح البنوك"، جزئيا على الأقل، كما يحدد المؤلف القول. ويقارن في هذا الإطار، بين سلطات رجال السياسة ورجال المال على الصعيد الأوروبي.
كما يلفت المؤلف إلى أن القانون الفرنسي الخاص بعمل البنوك، يوحّد بين"صناديق ضمان ودائع الفرنسيين" في البنوك، وبين"صناديق إنقاذ النظام المصرفي". وهكذا تستطيع البنوك مد يدها إلى صناديق ضمان ودائع الفرنسيين، لتنقذ نفسها في حالة نشوب أيّة أزمة لديها. وبهذا المعنى، لا يكون أصحاب الودائع الفرنسيون تحت غطاء ضمان ودائعهم.
يناقش المؤلف أيضاً، حالة الديون العامة لدى اليونان وإيرلندا، وما ترتب من عواقب. ويخلص المؤلف إلى التأكيد على أن "ضبط قواعد عمل الأسواق المالية"، خطوة أولى لازمة. ويليها تبنّي مشروع ذي بعد مجتمعي. فتلك أمور لا بدّ منها للخروج الفعلي من براثن الأزمة التي يبدو أنها غدت "مزمنة".
المؤلف في سطور
غايل جيرو. اقتصادي فرنسي. يعمل مديراً للأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. خريج دار المعلمين العليا، وحاصل على شهادة الدكتوراه في مجال الرياضيات التطبيقية من مدرسة "البوليتيكنيك" العليا. اختير عام 2009 في عداد المرشحين لنيل جائزة أفضل اقتصادي شاب التي تمنحها صحيفة لوموند، بالشراكة مع منتدى الاقتصاديين الفرنسيين.
الكتاب: الوهم المالي
تأليف: غايل جيرو
الناشر: اتولييه- باريس- 2014
الصفحات: 253 صفحة
القطع: المتوسط
