فكرة التقدم هي إحدى الأفكار التي تُطرح باستمرار على ساحات النقاش في أوروبا. وهي بالتحديد، الفكرة التي يناقشها المهندس والكاتب الفرنسي في مسائل البيئة والتكنولوجيا، جان دو كيرفاسدوي، في كتابه الأخير، الذي يحمل عنوان: " فقدوا رشدهم". ويناقش فيه ما يسميه "المخاوف" التي تعتري الفرنسيين، من كل ما له علاقة بالميدان النووي وبغاز الشيست ومبيدات الحشرات. وأيضاً: المنتجات المهجّنة وراثياً والصحّة واستخدام محركات الديزل. وغير ذلك الكثير.

الفكرة الأساسية التي يسعى المؤلف إلى البحث في خلفياتها، هي قوله إن حالة من التشوش تسود في فرنسا، حالياً، بحيث إن الفرنسيين لم يعودوا يؤمنون بحقيقة التقدّم. هذا رغم المسلّمة التي لا تحتاج إلى برهان، بأن الفرنسيين يعيشون ويتمتعون بقدر كبير من التسهيلات، التي تحققت بفضل التقدم الذي كفلته التكنولوجيا خلال القرون الخمسة الأخيرة".

ولكن هناك خوف، في الوقت الحالي، من الخوض في سبل العلم والتكنولوجيا، التي ربما تقود إلى المجهول، وإلى تهديد البشر. وهذه الحالة الجديدة من الخوف والقلق دفعت المؤلف إلى القول إن فرنسا "تركت مجال العقلانية العلمية، كي تدخل في حالة من التشوش المقيم. وبعد أن يعلن عن أنه كان قريباً جداً من معسكر اليسار السياسي في فرنسا، وبالتحديد من الحزب الاشتراكي الحاكم حالياً، يشير جان دو كيرفاسدوي، إلى أن أصدقاءه السابقين، من الاشتراكيين واليساريين عامّة، أصبحوا مناهضين لفكرة التقدّم. واقتربوا بالمقابل، من الأطروحات المحافظة.

يشرح كيرفاسدوي في هذا السياق، أن اليسار الفرنسي كان من المؤمنين لفترة طويلة بمفهوم التقدّم، على خلفية إدراكه أن البحث العلمي والتقني كان أحد الحدود الأخيرة للمغامرة الإنسانية. ومثل تلك القناعة زالت.

 أمّا بالنسبة لمعسكر اليمين فكان زوالها قد حدث منذ فترة طويلة. ويبيّن المؤلف أن رأياً عاماً يسود، مفاده أن أي توضيح أو تفسير أو السعي لتقديم برهان من أحد الخبراء، أصبح يواجه التشكيك بوجود مصالح خلفه. وهكذا مثلاً، يشن هجوماً عنيفاً على مبيدات الحشرات، بلا أية إشارة إلى فوائدها الكبيرة.

ويصل الأمر بالمؤلف إلى التشكيك بالعديد من الدراسات التي أُجريت وعرضت نتائجها على شاشات التلفزيون، حول ضرر المنتجات على الصحّة. ويذكر بالتجارب التي أُجريت على فئران التجارب بعد تغذيتها بحبوب الذرة المهجّنة وراثياً.. فأُصيبت بأورام سرطانية.

وفي المحصّلة، اعتماداً على دراسة ملفات عديدة، لها علاقة بالمقولات السائدة حول الطاقة النووية وغاز الشيست واستخدام الديزل في المحرّكات، وغير ذلك من الملفات، يحدد المؤلف القول، أن هدف كتابه، "إيقاظ الضمائر والدفع نحو التجرؤ لخوض في نقاشات، من أجل فتح الثغرات في حالة من التوافق العام الظاهري السائد".

 المؤلف في سطور

 جان دو كيرفاسدوي. مهندس زراعي فرنسي. متخصص في الجسور والغابات. عضو في أكاديمية التكنولوجيا وأستاذ في المرصد الوطني الفرنسي للفنون والمهن. صدر له حوالي عشرين كتاباً،حول علوم البيئة، فيما يخص ميداني السياسة والصحّة، من بينها: "صيادو نهاية العالم".

 الكتاب: لقد فقدوا رشدهم

تأليف: جان دو كيرفاسدوي

الناشر: روبير لافون - باريس- 2014

الصفحات: 225 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Ils ont perdu la raison

Jean de Kervasdoué

Robert Laffont - Paris- 2014

225 pp