كل إنسان في هذا العالم، لديه طريقته في التعامل مع الوقت، ولكن، ربما يتفرّد المبدعون وأصحاب العقول الكبيرة في الطريقة، التي يقضون فيها يومهم. وهذا ما يكرّس له الصحافي والكاتب الأميركي الشاب، مازون كيوري، كتابه الأول: " طقوس الممارسة اليومية"، الذي يحاول فيه الإجابة عن السؤال التالي :" كيف يستخدم أصحاب العقول الكبيرة وقتهم، ويجدون مصادر الإلهام، ويشرعون في العمل"، كما جاء في العنوان الفرعي.
السمة المشتركة، التي يؤكّدها المؤلف بالنسبة للمبدعين الكبار،هي أنهم دقيقون جداً في التعامل مع الوقت. ذلك على غرار "البرجوازيين الصغار". الأمثلة التي يقدمها المؤلف كثيرة، ويخلص من ذلك كلّه بنتيجة، تعبّر عنها الجملة التالية، التي ينقلها في مقدّمة الكتاب عن الكاتب والناقد البريطاني "ف. س . بريتشت": " عاجلاً أم آجلاً ينتهي البشر العظام بأن يتشابهوا في ما بينهم. إنهم لا يتوقفون أبداً عن العمل . ولا يضيّعون دقيقة.. وهذا أمر يبعث على الضيق، بل والانهيار العصبي".
وإذا كانت المحصّلة العامّة لاستخدام المبدعين الكبار لوقتهم، هي "التشابه في ما بينهم"، فإن مؤلف الكتاب يجري نوعاً من التصنيف في فئات، فمثلاً يتشارك مارسيل بروست وترومان كابوت، وباتريسيا هايغ سميتن، في أنهم كانوا يعملون وهم في السرير، ومحاطون بـ"آنية مليئة بالأطعمة وبكمية كبيرة من لفائف التبغ".
لكن ما يؤكّده المؤلف، أن المبدعين الكبار الذين تركوا للإنسانية روائع خالدة، لم يكونوا بأغلبيتهم من "البوهيميين، حسب الفكرة السائدة عنهم، بل كانوا بالأحرى بشراً في غاية الانضباط، إذ أخذوا بنصيحة الكاتب الفرنسي الشهير غوستاف فلوبير، صاحب رواية "مدام بوفاري"، التي جاء فيها، أي النصيحة:" كونوا ملتزمين بقواعد محددة في حياتكم، مثل البورجوازيين، كي تكونوا عنيفين، ومتفرّدين في إبداعاتكم، وأعمالكم الأدبية".
أمّا لودفيغ فان بيتهوفن، وسورين كيركيغارد، الموسيقي والفيلسوف، فكانا يستهلكان كل يوم، كميات كبيرة من القهوة، ولكن بيتهوفن كان يهتم بكميّة مادة القهوة المستخدمة في كل فنجان..
بينما كان كيركيغارد يهتم بلون الفنجان نفسه. وبالمقابل، كان الموسيقي موزارت في فيينا، يستيقظ عند الساعة السادسة صباحاً ليهتم بتصفيف شعره أوّلاً، ثم يمضي ساعتين في التأليف الموسيقي، ويدرّس لمدّة أربع ساعات، ثم يتناول وجبة طعامه، وبعدها، إمّا يقدم حفلة موسيقية، وإما يعود إلى التأليف من جديد.
والكاتب ستيفن كينغ، كما يبين المؤلف، لديه أيضاً عاداته اليومية المستحكمة، إنه يكتب كل صباح 2000 كلمة، ويرى أن الالتزام بعادات محددة ـ روتين ـ في الكتابة، شبيه بالدافع الذي يدعو للذهاب إلى النوم، حسب "الساعة الزمنية التي تتحكّم بعاداتك، وتجعلك مستعداً للحلم، مثل ما أنت مستعد للنوم.
وفي كل الحالات، يرى المؤلف أن إيقاع عادات الحياة اليومية له بالضرورة بواعثه الداخلية. وكل محاولة للتقليد تعني بالضرورة الوصول إلى طرح السؤال التالي: من نحن؟ وينقل المؤلف عن الكاتب والروائي الأميركي برنار مالومود، نصيحة جاء فيها ما مفاده :" أنتم ما أنتم عليه.. ولستم فتزجيرالد ولا توماس وولف". وبتعبير آخر، كانت إحدى ركائز إبداعه وعمله هي مقولة "احذروا التقليد".
في المحصّلة يؤكّد المؤلف كثيراً أهمية الانتظام في العمل اليومي، من أجل تحقيق قدر أكبر من الإنتاج.
المؤلف في سطور
مازون كيوري، صحافي وكاتب أميركي شاب، يعيش في مدينة لوس أنجلوس، خريج جامعة كارولينا الشمالية، ويسهم بالكتابة في الصحافة، خاصّة مع مجلة "سليت ماغازين". هذا الكتاب هو عمله الأوّل.
الكتاب: طقوس الممارسة اليومية.. كيف يستخدم أصحاب العقول الكبيرة وقتهم ويجدون مصادر الإلهام ويشرعون في العمل؟
تأليف: مازون كيوري
الناشر: بيكادور- نيويورك 2013
الصفحات: 278 صفحة
القطع: المتوسط
Daily rituals
Mason Currey
Picadorذ New York ذ 2013
278 pp.
